شأن له .. وعظمة النفس التي تعيش لهذه المعاني، ولا تتحرّك إلاّ بها ..
فكم من أصحاب المبادئ الأرضيّة والفلسفات الوضعيّة من أعلن للناس شعارات برّاقة، وأظهر الصدق والإخلاص في التجرّد إلى ما يدعو إليه، وعندما لاح له بريق الدنيا، بذهبِها وفضّتها، وجاهها وزخرفها، وعزّها وسلطانها، تنكّر لتلك الدعوة المثاليّة، ونسي الشعارات التي كان يرفعها، والمبادئ التي يتحمّس لها، وظهرت خفايا النوايا وراء تلك البرّاقة .. والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى، وهي شاهدة ماثلة ..
وهذا فرق جوهريّ بين دعوة الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام، ومن تبعهم بإحسان من المؤمنين الصادقين، وبين الدعوات الدنيويّة الظاهرة، أو الخفيّة المشبوهة .. وما أكثر الدعاوى الكاذبة! وزينة الدنيا فضّاحة ..
لقد كان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في عنفوان الشباب وقوّته يوم تزوّج خديجة رضي الله عنها، وكان من حسن عشرتها معه، وبرّها ووفائها أنّها وضعت أموالها بين يديه، لا تحجب عنه منها شيئًا، ومع ذلك فلم يعرف عنه - صلى الله عليه وسلم - أنّه ظهر يومًا من الأيّام بمظهر التنعّم والترفّه، ولباس الزينة، أو الإنفاق على رغباته، كما يولع أكثر الشباب بمثل سنّه .. ومضى على هذه السيرة حياته كلّها
وقد يستطيع الإنسان أن يتقلّل من الدنيا إلى أدنى حدّ ممكن إذا كانَ عزبًا لا يعرفُ مسئوليّة أسريّةً ولا اجتماعيّة، ولا تعرفه .. أمّا أن يتقلّل من الدنيا وتحت عصمته ومسئوليّة رعايته تسع زوجات، قد أتت كثيرات منهنّ من بيئة غنى وعيش رغد، فيصبرن معه على شظف العيش، ويرضينَ بالعيش معه على مثل هذه الحال، فهذا ولاشكّ باب من العظمة لا يدانيه