فهرس الكتاب
لقد كان - صلى الله عليه وسلم - حسن العشرة، كريم الصنيعة، ليّن الجانب، يحبّ اليسر ويؤثره، فما خيّر بين أمرين إلاّ اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس عنه، بعث بالحنيفيّة السمحة، وأرسله الله رحمة للعالمين، وبشرى للمؤمنين.
لقد رفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - همم أمّته ليكونوا عندما يحبّه الله لهم ويرضاه؛ فبيّن لهم أن الله تعالى يحبّ معالي الأمور، ويكره سفسافها.
وكان - صلى الله عليه وسلم - يحبّ بذل المعروف، ويدعو إلى خصال الخير كلّها، كإطعام الطعام وإفشاء السلام، وعيادة المريض، وتشييع الجنائز، وخدمة الضعيف، وإغاثة اللهفان، وإجابة الدعوة.
وكان - صلى الله عليه وسلم - يجيب دعوة الحرّ والعبد، ولا يأنف عن إجابة الضعيف المسكين، أو العبد أو الأمة.
وكان - صلى الله عليه وسلم - يدعو أصحابه إلى ما يهدى إليه من طعام، ويؤثرهم على نفسه وأهله، ويتفقّد أهل الفاقة من أصحابه، ويحسن إليهم ويواسيهم، ولا يختصّ دونهم بشيء.
وكان - صلى الله عليه وسلم - يحبّ العفو، ويسعى في الإصلاح بين الناس، ويحرص على جمع القلوب على الحقّ والهدى.
وإنّ المجتمعات القبليّة هي أشدّ المجتمعات حفاظًا على التقاليد والعادات، وأعتاها في الخصومة والبغضاء، وأعصى على التطويع، وأبعد عن التأليف والتجميع، ومع ذلك كلّه .. وغيره وغيره .. فقد ذابت بدعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عصبيّة الجاهليّة وطغيانها، وامّحى عنفوانها ونعراتها في مدّة لا تزيد عن عقدين من الزمن، ما هما إلاّ كلمحتين من نظر التاريخ ووعيه وتطوّره وتقلّب أحداثه .. فهل رأيت عظيمًا من عظماء الدنيا كلّها استطاع أن يجمع القلوب النافرة،