فهرس الكتاب
مخافة أن يغفلوا أو يملّوا، لكلّ حال عنده عتاد، لا يقصر عن الحقّ ولا يجاوزه، يليه من الناس خيارهم، وأفضلهم عنده أعمّهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة.
وكان - صلى الله عليه وسلم - لا يجلس ولا يقوم إلاّ على ذكر، ولا يوطّن الأماكن ـ أي لا يميّز لنفسه مكانًا خاصًّا ـ وينهى عن توطينها، وإذا انتهى إلى القوم جلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك، ويعطي كلّ جلسائه نصيبه، حتّى لا يحسب جليسه أنّ أحدًا أكرم عليه منه، من جالسه أو قاومه لحاجة صابره حتّى يكون هو المنصرف عنه، ومن سأله حاجة لم يردّه إلاّ بها أو بميسور من القول، قد وسع الناس بسطه وخلقه؛ فصار لهم أبًا، وصاروا عنده في الحقّ سواء، يتفاضلون عنده بالتقوى، مجلسه مجلس حلم وحياء، وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تُؤبَن فيه الحرم، ولا تخشى فلتاته، يوقّرون فيه الكبير، ويرحمون الصغير، ويرفدون ذا الحاجة، ويؤنسون الغريب ..
وكان أحبّ إليهم أن يقوموا إليه إذا حضر إليهم، إلاّ أنهم كانوا لا يقومون لما يعلمون من كراهته لذلك ..
وكان ينهاهم أن يطروه كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم عليه السلام، ويقول لهم: (قولوا: عبد الله ورسوله) .
وكان - صلى الله عليه وسلم - يقول: (إنما أنا عبدٌ، أجلِسُ كما يجلِسُ العبدُ، وآكلُ كما يأكُلُ العبدُ) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - مرّة لرجل هابه حتّى ارتعدت فرائصه: (هوّن عليكَ، إنما أنا ابنُ امرأة كانَت تأكُلُ القَديدَ بمكّةَ) .
وكان - صلى الله عليه وسلم - دائم البشر سهل الخلق، ليّن الجانب، ليس بفظّ، ولا غليظ، ولا صخّاب، ولا فحّاش، ولا عيّاب، ولا مدّاح، ولا يجزي بالسيّئة السيّئة، ولكن يعفو ويصفح، يتغافل عمّا لا يشتهي، ولا يُقنط منه، قد