يقول الإمام النوويّ رحمه الله تعالى تعليقًا على هذا الحديث:"واعلم أنّ هذا الحديث قد يُستشكَل معناه، ولا إشكال فيه، بل المراد النهي أن تصاحبهم تلك الناقة، وليس فيه نهي عن بيعها وذبحها وركوبها في غير صحبة النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، بل كلّ ذلك، وما سواه من التصرّفات جائز، لا منع منه، إلاّ من مصاحبته - صلى الله عليه وسلم - بها، فهذه التصرّفات كلّها كانت جائزة، فمنع بعض منها، فبقي الباقي على ما كان، والله أعلم" [1] .
وتبدو لي نكتة لطيفة من نهي النبيّ - صلى الله عليه وسلم - عن أن يُصحَب بناقةٍ ملعونة، وهي أنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - نبيّ الرحمة المهداة للعالمين، واللعنة نوع من الغضب والعذاب، وأنوار رحمته - صلى الله عليه وسلم - تبدّد ظلمات الغضب والعذاب فلا يجتمعان.
ومن مظاهر رحمته - صلى الله عليه وسلم - بالحيوان: نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن اتّخاذ الحيوان غرضًا في الرماية، وعن قتل الحيوان صبرًا، بحبسه حتّى يموت:
عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: مَرَّ ابْنُ عُمَرَ - رضي الله عنه - بِفِتْيَانٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَدْ نَصَبُوا طَيْرًا، وَهُمْ يَرْمُونَهُ، وَقَدْ جَعَلُوا لِصَاحِبِ الطَّيْرِ كُلَّ خَاطِئَةٍ مِنْ نَبْلِهِمْ، فَلَمَّا رَأَوُا ابْنَ عُمَرَ تَفَرَّقُوا، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَنْ فَعَلَ هَذَا؟ لَعَنَ اللهُ مَنْ فَعَلَ هَذَا، إِنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لَعَنَ مَنْ اتَّخَذَ شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا) [2] .
وعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَغُلامٌ مِنْ بَنِي يَحْيَى رَابِطٌ دَجَاجَةً يَرْمِيهَا، فَمَشَى إِلَيْهَا ابْنُ عُمَرَ حَتَّى حَلَّهَا، ثُمَّ أَقْبَلَ بِهَا وَبِالْغُلامِ مَعَهُ، فَقَالَ:"ازْجُرُوا غُلامَكُمْ عَنْ أَنْ يَصْبِرَ هَذَا الطَّيْرَ لِلْقَتْلِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - (نَهَى أَنْ تُصْبَرَ بَهِيمَةٌ أَوْ غَيْرُهَا لِلْقَتْلِ) [3] ."
(1) ـ رياض الصالحين ص 462.
(2) ـ رواه مسلم في كتاب الصيد والذبائح، وما يؤكل من الحيوان برقم 3619.
(3) ـ رواه البخاريّ في كتاب الصيد والذبائح برقم 5090.