وإنّ الإسلام يعدّ المسئوليّة الدعويّة والقياديّة مغرمًا ثقيلًا، وعبئًا كبيرًا، وليست مغنمًا يتنافس فيه المتنافسون، ويتزاحم عليه الطامعون الطامحون، ومن ثمّ فلا يتقدّم إليها راغب، ولو تقدّم إليها لا يُعطاها .. وإنّما يرشّح لها الكفؤ، ويكلّف بها .. وعندما يكلّف بها يصبح لمن هم تحت ولايته بمثابة الوالد: مسئولًا عن كبير أمورهم وصغيرها، وخاصّها وعامّها، ولا يعفيه أو يعذره غيبة شيء منها، إذ عليه أن يباشر الأمور بنفسه، ويرعاها بكفايته، ويسعه أن يتّخذ البطانة الصالحة، والأعوان الناصحين، ويشاور الأتقياء الصالحين، وعلى قدر ما يتحقّق بالصدق والإخلاص في عمله، وتخلص لله تعالى نيّتُه تأتيه المعونة والتوفيق مِن ربّه.
قصّة زواج رَبِيعَةَ بن كعب الأسلَمِيِّ - رضي الله عنه: ومن المواقف التي تتجلّى فيها الرعاية النبويّة الكريمة بأبهى صورها، وأجمل مظاهرها، وتتجلّى ممارسة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - للمسئوْليّة الاجتماعيّة عن أصحابه، وبرّه بهم، وإحسانه - صلى الله عليه وسلم - إليهم، ممّا يدعو الدعاة والقادة إلى التأسّي والاقتداء بنبيِّهم - صلى الله عليه وسلم - في تحمّل المسئوليّة ورعاية الأمّة .. ما روى الإمام أحمدُ في مسندِه عنْ رَبِيعَةَ بن كعب الأسلَمِيِّ - رضي الله عنه - قَالَ:"كُنتُ أَخدُمُ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: يَا رَبِيعَةُ أَلا تَزَوَّجُ؟ قَالَ: قُلتُ: وَالله يَا رَسُولَ الله مَا أُرِيدُ أَن أَتَزَوَّجَ، مَا عِندِي مَا يُقِيمُ المَرأَةَ، وَمَا أُحِبُّ أَن يَشغَلَنِي عَنكَ شَيءٌ، فَأَعرَضَ عَنِّي فَخَدَمتُهُ مَا خَدَمتُهُ، ثُمَّ قَالَ لِيَ الثَّانِيَةَ: يَا رَبِيعَةُ أَلا تَزَوَّجُ؟ فَقُلتُ: مَا أُرِيدُ أَن أَتَزَوَّجَ، مَا عِندِي مَا يُقِيمُ المَرأَةَ، وَمَا أُحِبُّ أَن يَشغَلَنِي عَنكَ شَيءٌ، فَأَعرَضَ عَنِّي، ثُمَّ رَجَعتُ إِلَى نَفسِي، فَقُلتُ: وَالله، لَرَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بِمَا يُصلِحُنِي فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ أَعلَمُ مِنِّي، وَالله لَئِن قَالَ: تَزَوَّج لأقُولَنَّ: نَعَم يَا رَسُولَ الله، مُرنِي بِمَا شِئتَ، قَالَ: فَقَالَ: يَا رَبِيعَةُ أَلا تَزَوَّجُ؟ فَقُلتُ: بَلَى، مُرنِي بِمَا شِئتَ"