من الناس أنّها لا علاقة لها بالرحمة، وهي من لحمة الرحمة وسداها، ولبّها وفحواها: فالتربية والتعليم من الرحمة، والتوجيه من الرحمة، والوعظ والتذكير من الرحمة، وحسن الرعاية، وكلّ مظاهر الحبّ والمودّة، وإعطاء كلّ ذي حقّ حقّه، والدعاء، والملاطفة والممازحة، والدعوة إلى دين الله، والحرص على هداية الخلق .. كلّ ذلك من الرحمة، بل إنّ الزجر والتعنيف، وإيقاع العقوبة المناسبة، وبالقدر المناسب، عندما يتعيّن ذلك من الرحمة، ويخطئ من يظنّ أنّ الرحمة ذات مسارٍ واحد لا تتعدّاه ..
ولقد تجلّت رحمة النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - بالأطفال في مظاهر عديدة:
* فمن مظاهر رحمة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بالأطفال حسن استقبال المولود بالتحنيك والدعاء له بالبركة: وقد كان مجتمع المدينة على عهد النبيّ - صلى الله عليه وسلم - مجتمع الأسرة الواحدة .. والنبيّ - صلى الله عليه وسلم - كان بمثابة الوالد لكلّ أفراد الأمّة .. فهوَ الذي يسمّي الطفل المولودَ ويحنّكه، ويدعو له بالخير والبركة .. فماذا ينتظر منْ مجتمع بهذا التحابّ والتآلف.؟
عَنْ أَبِي مُوسَى - رضي الله عنه - قَالَ: وُلِدَ لِي غُلامٌ، فَأَتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَسَمَّاهُ إِبْرَاهِيمَ، فَحَنَّكَهُ بِتَمْرَةٍ وَدَعَا لَهُ بِالبَرَكَةِ، وَدَفَعَهُ إِلَيَّ، وَكَانَ أَكْبَرَ وَلَدِ أَبِي مُوسَى) [1] .
والتحنيك: أن تُمْضغَ تمرة، ثمّ توضعَ في فمِ الوليد، وتدار في أطرافه.
وعن عائشة أمّ المؤمنينَ رضي الله عنها أنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - دَعا لمولودٍ فقال: (اللهُمّ اجعَلْهُ بَارًّا تَقيًّا رَشِيدًا، وَأنبِتهُ في الإسلامِ نباتًا حَسَنًا) [2] .
(1) ـ رواه البخاريّ في كتاب العقيقة برقم 5045.
(2) ـ رواه الديلميّ في مسند الفِردوسِ برقم 2064 ج 1 504، طبع دار الكتب العلميّة، وتحقيق سعيد بن بسيوني زغلول وهو حديْث حسن.