فهرس الكتاب
والسلام .. وقد شهد أبو سفيان أمام هرقل قبل أن يسلم أنّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يغدر .. فقال له هرقل:"وَكَذلِكَ الرسُلُ لا تَغدِرُ .." [1] .
لقد عاهد اليهود ووفّى لهم، ولكنّهم هم الذين نقضوا العهد في كلّ مرّة، وألّبوا عليه الأحزاب، وعاهد المشركين في الحديبية، ووفّى لهم، وعندما جاءه أبو جندل وأبو بصير مسلمين ردّهما تنفيذًا لشروط العهد، على كرهٍ منهما ومن المسلمين، حتّى جعل الله لهما فرجًا ومخرجًا [2] .
ولَمّا دخل مكّة عام عمرة القضاء، وقضى بها ثلاثة أيّام ليس معهم إلاّ السيوف في أغمادها، جاء المشركون إليه ليخرج، فأبى بعض المسلمين عليهم، ورغب إليهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يدَعوه حتّى يعرّس بالسيّدة ميمونة بنت الحارث، فيأكل المسلمون، ويأكلون معهم، فأبوا، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه بالانصراف وفاء بالعهد، ودخل بها"بسَرِف" [3] .
* ومن أروع المواقف الدالّة على وفائه بالعهد - صلى الله عليه وسلم -، كما تدلّ على عقله وحكمته، وقوّة بصيرته في دين الله وبعد نظره: موقفه - صلى الله عليه وسلم - يوم الحديبية، هذا الموقف الذي لم يستوعب فيه كثير من الصحابة، وعلى رأسهم عمر بن الخطّاب - رضي الله عنه -، بعد نظر النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وعميق حكمته، وأثبت الوحي الإلهيّ، وتطوّر الأحداث في الواقع أنّ هذا الصلح كان فتحًا مبينًا كما سمّاه الله تعالى.
(1) ـ انظر حديث أبي سفيان مع هرقل في البخاري باب بدء الوحي برقم 7، ومسلم في كتاب الجهاد والسير باب كتاب النبيّ إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام برقم 3322.
(2) ـ وسيأتيك خبرهما قريبًا.
(3) ـ وهو مكان قرب مكّة.