وإنّ دلالة هذه القصّة البالغة على إيثار النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه، وكرمه وجوده أعمق وأقوى أثرًا من دلالتها على تكثير اللبن القليل ببركة النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وهي حقيقة لا ريب فيها ..
ومَثَلٌ آخرُ يومَ الخندَقِ: عَن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ - رضي الله عنه - يَقُولُ: لَمَّا حُفِرَ الخَنْدَقُ رَأَيْتُ بِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - خَمَصًا، فَانْكَفَاتُ إِلَى امْرَأَتِي فَقُلْتُ لَهَا: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ فَإِنِّي رَأَيْتُ بِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - خَمَصًا شَدِيدًا، فَأَخْرَجَتْ لِي جِرَابًا فِيهِ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ، وَلَنَا بُهَيْمَةٌ دَاجِنٌ.
قَالَ: فَذَبَحْتُهَا، وَطَحَنَتْ فَفَرَغَتْ إِلَى فَرَاغِي، فَقَطَّعْتُهَا فِي بُرْمَتِهَا، ثُمَّ وَلَّيْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَتْ: لا تَفْضَحْنِي بِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَمَنْ مَعَهُ.
قَالَ: فَجِئْتُهُ فَسَارَرْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا قَدْ ذَبَحْنَا بُهَيْمَةً لَنَا، وَطَحَنَتْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ كَانَ عِنْدَنَا، فَتَعَالَ أَنْتَ فِي نَفَرٍ مَعَكَ، فَصَاحَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَقَالَ: يَا أَهْلَ الخَنْدَقِ، إِنَّ جَابِرًا قَدْ صَنَعَ لَكُمْ سُورًا، فَحَيَّ هَلا بِكُمْ.
وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: لا تُنْزِلُنَّ بُرْمَتَكُمْ، وَلا تَخْبِزُنَّ عَجِينَتَكُمْ حَتَّى أَجِيءَ، فَجِئْتُ وَجَاءَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقْدَمُ النَّاسَ، حَتَّى جِئْتُ امْرَأَتِي، فَقَالَتْ: بِكَ وَبِكَ، فَقُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ الَّذِي قُلْتِ لِي، فَأَخْرَجْتُ لَهُ عَجِينَتَنَا، فَبَصَقَ فِيهَا وَبَارَكَ، ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بُرْمَتِنَا فَبَصَقَ فِيهَا وَبَارَكَ، ثُمَّ قَالَ: ادْعِي خَابِزَةً فَلْتَخْبِزْ مَعَكِ، وَاقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِكُمْ، وَلا تُنْزِلُوهَا، وَهُمْ أَلْفٌ، فَأُقْسِمُ بِاللهِ: لأَكَلُوا حَتَّى تَرَكُوهُ وَانْحَرَفُوا، وَإِنَّ بُرْمَتَنَا لَتَغِطُّ كَمَا هِيَ، وَإِنَّ عَجِينَتَنَا، أَوْ كَمَا قَالَ الضَّحَّاكُ: لَتُخْبَزُ كَمَا هُوَ) [1] .
فانظر رعاك الله إلى سموّ النفس، وكرم الأخلاق النبويّة: كيف لم يرتض - صلى الله عليه وسلم - أن يلبّي دعوة جابر - رضي الله عنه - مع نفر قليل من أصحابه.؟ بل دعا كلّ من حضر
(1) ـ رواه البخاريّ في كتاب المغازي برقم 3793 ومسلم في كتاب الأشربة برقم 3800.