حَتَّى إِذَا طَالَ عَلَيَّ ذَلِكَ مِنْ جَفْوَةِ النَّاسِ مَشَيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ جِدَارَ حَائِطِ أَبِي قَتَادَةَ وَهُوَ ابْنُ عَمِّي وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَوَاللهِ مَا رَدَّ عَلَيَّ السَّلامَ فَقُلْتُ: يَا أَبَا قَتَادَةَ أَنْشُدُكَ بِاللهِ هَلْ تَعْلَمُنِي أُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ.؟ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ لَهُ فَنَشَدْتُهُ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ لَهُ فَنَشَدْتُهُ فَقَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَفَاضَتْ عَيْنَايَ، وَتَوَلَّيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ الجِدَارَ .. ) [1] .
ـ وكان من عجيب حبّه - رضي الله عنه - وطاعته للرسول - صلى الله عليه وسلم -، وهو محلّ عتاب وجفوة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أرسل إليه رسولًا يقول له: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقال: أطلّقها أم ماذا أفعل.؟ فقال: لا، بل اعتزلها، فلا تقربنّها، فقال لامرأته: الحقي بأهلك، فكوني عندهم، حتى يقضي الله في هذا الأمر.
فانظر أخي المؤمن.! لو أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرهم أن يطلّقوا نساءهم أما كانوا يفعلون ذلك بغير تردّد أو تلكّؤ، ويثبتون بذلك إيثارهم لحبّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وطاعته على حبّ الزّوجة والرغبة فيها.؟!
ـ وكان أيضًا من حبّ كعب بن مالك - رضي الله عنه - للرسول - صلى الله عليه وسلم -، وإيثاره على كلّ أحد في الدنيا، وعلى إغراء الدنيا وفتنتها: أن ملك غسّان أرسل إليه يخطب ودّه، ويستلحقه بنفسه، وتلك من أعظم المحن في حال الجفوة والهجر، ولكنه رفض ما عرض عليه، ولم يتزعزع إيمانه وثقته وحبّه، يقول - رضي الله عنه: ( .. قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي بِسُوقِ المَدِينَةِ إِذَا نَبَطِيٌّ مِنْ أَنْبَاطِ أَهْلِ الشَّامِ مِمَّنْ قَدِمَ بِالطَّعَامِ يَبِيعُهُ بِالمَدِينَةِ يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ؟ فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ، حَتَّى إِذَا جَاءَنِي دَفَعَ إِلَيَّ كِتَابًا مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ، فَإِذَا فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ
(1) ـ رواه البخاري في كتاب المغازي برقم 4066.