وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) ) [1] .
وما أسهل إعلان المبادئ المثاليّة، والشعارات البرّاقة الرفيعة، وربّما كانت الممارسة العمليّة عكس ذلك تمامًا.! تتّخذ من تلك الشعارات ستارًا لظلمها وبغيها، فالعبرة كلّ العبرة في السلوك العمليّ، ونوع العلاقات التي تحكم حياة الناس وتنظّمها.
ولقد كانت سيرة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - العمليّة، ومواقفه التشريعيّة، والدعويّة والاجتماعيّة ترجمة دقيقة حيّة لهذه المبادئ، وقد تجلّى ذلك في: إقامة الحقّ والعدل، بين الكبير والصغير، والقويّ والضعيف، وعقد الأخوّة بين المؤمنين، التي كانت ذات ثمرات عمليّة، من التعاطف والتعاون، والتراحم والتناصر، والتزاور والتناصح، وبذل المعروف وإغاثة الملهوف، والحبّ في الله، والبغض في الله .. وما إلى ذلك من حقوق الأخوّة وآداب الصحبة.
ويكفينا في التدليل على هذه الحقائق هذا الموقف النبويّ القاطع، كما جاء في الحديث الشريف عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَانُ المَرْأَةِ المَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلاّ أُسَامَةُ حِبُّ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: (أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ.؟!) ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ فَقَالَ: (أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وَايْمُ اللهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا) [2] .
(1) ـ رواه الترمذيّ في كتاب تفسير القرآن عن رسول الله برقم 3193 وقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
(2) ـ رواه البخاريّ في كتاب أحاديث الأنبياء، باب حديث الغار 3288 ومسلم وهذا لفظه في كتاب الحدود باب قطع السارق الشريف وغيره والنهي عن الشفاعة في الحدود 3196.