ولقد كان يحاورهن، ويستمع إلى أحاديثهن، ويفضي إليهن بشقوره [1] ، ويستطلع من خلال الحوار آراءهن، ويأخذ بتلك الآراء إذا كانت جارية على الصواب، وبذلك يدخل السرور والبهجة عليهن.
وفيما يلي أمثلة عملية تبيِّن شيئًا مما كان يجري بينه وبينهن.
المثال الأول: ما جاء في الصحيحين عن عائشة _رضي الله عنها_ في قصة بدء الوحي، قالت: كان أول ما بدئ به رسول الله"من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حُبِّب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء يتحنث فيه _وهو التعبد_ الليالي ذوات العدد، قبل أن يرجع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها، حتى فَجِئهُ الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ."
قال: فأخذني فَغَطَّني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قال: قلت: ما أنا بقارئ.
قال: فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: [اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) ] العلق.
فرجع بها رسول الله"ترجف بوادره حتى دخل على خديجة، فقال: =زملوني زملوني+ فزملوه حتى ذهب عنه الروع، ثم قال لخديجة: =أي خديجة ما لي+ وأخبرها الخبر، قال: =لقد خشيت على نفسي+."
(1) _ شقوره: بثه وهمه، وهذا مثل يضرب في الإطْلاع على مكنونات السرائر، ولمن يُفضى إليه بما يُكْتَمُ عن غيره من السر. انظر مجمع الأمثال للميداني 2/ 71_72 (2737) ، والمسَتقْصَى في أمثال العرب للزمخشري 1/ 273 (1154) .