فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 184

=ويقص علينا التاريخ أن في الأساتذة من يحرص على أن يرتقي تلاميذه في العلم إلى الذروة، ولا يجد في نفسه حرجًا من أن يظهر عليه أحدهم في بحث، أو محاورة.

يذكرون أن العلامة أبا عبدالله الشريف التلمساني كان يحمل كلام الطلبة على أحسن وجوهه، ويبرزه في أحسن صوره.

ويروى أن أبا عبدالله _هذا_ كان قد تجاذب مع أستاذه أبي زيد ابن الإمام الكلام في مسألة، وطال البحث اعتراضًا وجوابًا حتى ظهر أبو عبدالله على أستاذه أبي زيد، فاعترف له الأستاذ بالإصابة، وأنشد مداعبًا:

أعلمه الرماية كلّ يومٍ ... فلما اشتد ساعدُه رماني+ [1]

وهكذا يتبين لنا جمال العدل، وروعة الإنصاف، وكونه أصلًا من أصول الحوار، وكون السيرة النبوية حافلة به في كافة صوره.

وهذا المنهج النبوي الراشد في الحوار القائم على العدل _ من أعظم ما يحفظ على الناس أقدارهم، ويحمي جامعتهم، ويعطي المخطئ الفرصة الكافية لمعالجة خطئه؛ فيفيد من ذلك الخطأ، ويزداد حنكة وتجربة؛ فيكون بذلك عضوًا نافعًا بدلًا من كونه عضوًا أشلَّ.

ولو كانت حواراته _عليه الصلاة والسلام_ تتسم بالحِدِّية والإسقاط لما كان الصحابة على ذلك القدر من الجلالة، والعظمة، والحكمة، وحسن السياسة.

الفصل الثاني: آداب الحوار في السيرة النبوية

للحوار الناجح الراقي آداب لا بد منها، وللمحاور البارع المؤثر آداب يحسن أن يتحلى بها.

وتلك الآداب تكاد ترجع إلى إقبال المحاور على صاحبه، ورفعه من شأنه، وإحسانه إليه، وحذره مما ينافي ذلك.

فهذه الآداب المجملة، وما يندرج تحتها تمثل آداب الحوار، وما ينبغي أن يكون عليه المحاور.

ولقد كان النبي"يأخذ بتلك الآداب في حواراته مع كافة الطبقات."

وهذا ما سيتبين في المباحث التالية.

الإقبال على المحاور من أعظم آداب الحوار وأهمها، ويتمثل ذلك بأمور كثيرة، يأتي على رأسها: التواضع للمحاور، وحسن الاستماع له، والإصغاء إليه، وترك مقاطعته، والتشاغل عنه.

(1) _ رسائل الإصلاح 1/ 44.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت