وهكذا ختم _ عليه الصلاة والسلام _ حواره مع أبي موسى بتلك الخاتمة التي أصبحت قاعدة من أعظم القواعد في الأشربة.
وإنما يتيسر ذلك بالأساليب التي تقرب المعنى، وتصيب المرمى بأدنى كلفة، وأقلِّ عمل ذهني.
والحوار النبوي مُمَتَّعٌ بتلك الأساليب، وفي الفقرات التالية تفصيل لشيء من ذلك.
1_ صوغ التشابيه، وضرب الأمثلة: فذلك من أنجع الأساليب في الحوار، وأكثرها تأثيرًا؛ ذلك أن للتشبيه، والتمثيل أثرًا كبيرًا في جعل الحقائق الخفية واضحة، والمعاني الغريبة قريبة مألوفة.
ثم إن للأمثال فوائد أخرى؛ فمن ذلك أن المثل يضرب للترغيب في المُمَثَّل به؛ حيث يكون مما تستحسنه النفوس، وتَرْغَبُ فيه.
وقد يضرب المثل للتنفير من العمل؛ حيث يكون المُمَثَّل به مما تكرهه النفوس، وتنفر منه.
ويضرب المثل لمدح المُمَثَّل؛ حيث يكون في الممثل به صفاتٌ تستحسنها النفوس، وتمدح من يحرز مثلها.
ويضرب المثل للذم حيث يكون للممثَّل به صفة يستقبحها الناس، ويذمون من رضي لنفسه بمثلها.
ولقد كان _ عليه الصلاة والسلام _ يأخذ بهذه الطريقة كثيرًا.
ومن الأمثلة على ذلك ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة ÷ قال: ضرب رسول الله"=مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جُنَّتان من حديد قد اضطرت أيديهما إلى ثُدِيِّهما وتراقيهما؛ فجعل المتصدق كلما تصدق بصدقة انبسطت عنه حتى تغشى أنامله، وتعفو أثره، وجعل البخيل كلما همَّ بصدقة قَلَصتْ وأخذت كلُّ حلقة بمكانها+."
قال: فأنا رأيت رسول الله"يقول بإصبعه في جيبه؛ فلو رأيته يوسعها ولا تتوسع [1] ."
(1) _ البخاري (1443، و 1464) ومسلم (1021) .