فهذا حاله _ عليه الصلاة والسلام _ مع ربه لما عرج به إلى السماء، وهذا وصف ربه _ جل وعلا _ له.
وأما أدبه مع الناس في حال محاورتهم _ فكان السماءَ التي لا تطاولها سماء؛ من جهة كمال الأدب، وحسن الإنصات، والإصغاء.
والأمثلة على ذلك كثيرة، وقد مضى شيء منها، وسيأتي مزيد لها في الفقرة التالية وغيرها من فصول هذا البحث.
ثالثًا: إعطاؤه"محاورَه الفرصة الكافية: وهذا أدبٌ راقٍ، وعامل من أعظم عوامل نجاح الحوار."
وإن التفريط به لآفةٌ من آفات الحوار؛ فمن الناس من إذا سمع متحدثًا يتحدث في مجلس، وبدر من ذلك المتحدثِ خطأٌ يسيرٌ أو نحو ذلك_سفَّهه، وبكَّته، واستخف بحديثه دون أن يسمع بقية كلامه، أو يعطيه فرصة لإبداء وجهته.
ومن هذا القبيل ما يوجد عند بعض الناس؛ فما إن يتكلم أحد في مجلس إلا وتبدأ بينهم النظرات المريبة، التي تحمل استخفافًا وسخرية بالمتحدث.
وهذا الصنيع لا يحسن أبدًا، وليس من صفات عظماء الرجال وأكابرهم؛ فهم يُجلّون من يحاورهم ويحدثهم، ولا يرضون بإهانته في حضرتهم طالما أنه لم يَحِدْ عن الرشد، حتى ولو أخطأ؛ فإنهم يتغاضون عن خطئه، ويتعامون عن زَلَّتِه.
وإذا ما كان الخطأ كبيرًا فإنهم يبينون الخطأ، ويرشدون إلى الصواب بأجمل عبارة، وألطف إشارة.
ومن مظاهر قلة إعطاء الفرصة الكافية للمحاور ما تجده من بعض الناس؛ فتراه إذا تحدث أحد أمامه بحديث، أو قصة، أو خبر، وكان يعلم ذلك من قبل _ بادر إلى إكمال ذلك عن المتحدث، إما بقصد الإساءة إليه، أو لإشعاره وإشعار السامعين بأن حديثه معاد مكرور، أو ليبين أنه يعلم ذلك من قبل [1] .
(1) _ انظر روضة العقلاء ص 72، وصفة الصفوة لابن الجوزي 2/ 144، وبهجة المجالس 1/ 43، وتذكرة السامع والمتكلم لابن جماعة ص 156_157، والرياض الناضرة لابن سعدي ص 548.