ومن تحديث الناس بما يعقلون أن تكون المحاورة ملائمة لكافة الطبقات خصوصًا إذا كانت عامة، أو في مكان عام؛ إذ هي تُلْقى على طبقات من الناس متفاوتة في العلم والفهم؛ فيحسن بالمحاور ألا يتعرض في محاورته إلى المسائل التي قد يتعثر فهمها على كثير منهم، أو أن يتناولوها على غير وجهها.
وكانت محاورات الرسول"جارية على هذا النحو؛ بحيث يستوي في فهمها الطبقاتُ المختلفةُ دون أن يجدوا فيها ما ينبو عنه الفكر، أو يحار فيه العقل. [1] "
ومن الأمثلة على ذلك ما جاء في صحيح مسلم من حديث معاوية بن الحكم السلمي ÷: =كانت لي جاريةٌ ترعى غنمًا لي قبل أحد والجوانيَّة، فاطلعت ذات يوم فإذا الذيب قد ذهب بشاةٍ من غنمها، وأنا رجل من بنى آدم آسف كما يأسفون، لكني صككتها صكَّةً، فأتيت رسول الله"فعظَّم ذلك علي، قلت: يا رسول الله أفلا أعتقها، قال: =ائتني بها+ فأتيته بها، فقال لها: =أين الله؟ + قالت: في السماء، قال: =من أنا؟ + قالت: أنت رسول الله، قال: =أعتقها فإنها مؤمنة+ [2] ."
ففي هذا الحديث تَنَزَّل النبيُّ"مع الجارية، وحدثها بما تعقل، وسألها عن أمرين من أعظم الأمور في الدين، وهي الإيمان بأن الله في السماء، والشهادة للنبي"بالرسالة.
ومن عظم هذين الأمرين فهما من الوضوح والبيان بمكان؛ حيث إنهما أمران يدركان بالفطرة، وببادئ النظر؛ فهما لا يحتاجان إلى كبير فهم، أو إعمال للذهن؛ لذا أجابته الجارية على الفور؛ فكان ذلك علامة إيمانها، واستحقاقها للعتق.
4_ إنهاء الحوار إذا لم يأت بفائدة: ففي بعض الأحايين لا يجدي الحوار؛ فيكون الاستمرار فيه ضربًا من الهذيان الذي يصير ضرره أكثر من نفعه؛ ففي مثل ذلك يحسن التوقف، وقطع الحوار؛ فذلك أدب رفيع، ونظر في العواقب بعيد؛ إذ لو استمر الحوار _ والحالة هذه _ لربما كانت العاقبة وخيمة.
(1) _ انظر محمد رسول الله ص 187.
(2) _ مسلم (537) .