فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 184

ولا ريب أن تجنب ذلك راجع لذوق المحاور، وألمعيته، ومعرفته بطبائع النفوس.

ومن ذا يجاري النبي"في ذلك المضمار أو يقاربه؟"

ج_ معرفة مستوى المحاوِر: فذلك من إنزال الناس منازلهم؛ فالناس تتفاوت عقولهم وأفهامهم، وثقافاتهم؛ فمن الحكمة وحسن السياسة في الحوار أن يخاطب كل أناس بما يعرفون، وأن يُتحامى مخاطبةُ أحدٍ بما لا يتحمله عقله؛ فالأدلة التي قد تصلح لأحد من الناس قد لا تصلح لغيره، وطريقة المحاورة التي يتقبلها فلان من الناس قد لا يتقبلها غيره.

والمحاور الفطن يعرف محاوِرَه، ويدرك الطريقة التي ينبغي له أن يحاوره بها. [1]

وبذلك يتجنب كلَّ مَا مِنْ شأنه أن يَغُضَّ من قدر صاحبه، أو ينزله منزلة غير منزلته؛ لذا كان لزامًا على المحاور أن يعرف درجةَ محاوره في العلم، والفهم حتى يخاطبه الخطاب اللائق به؛ فإن خطاب الكبير غير خطاب الصغير، وخطاب العالم غير خطاب الجاهل، وخطاب ذي المكانة غير خطاب من دونه وهكذا؛ فمراعاة تلك الأحوال مفيد أيما فائدة في الحوار.

وعلى هذا النحو كان تسير حوارات النبي"."

والأمثلة على ذلك كثيرة، ولعل من أجلاها ما جاء في حديث بعث معاذ÷ إلى اليمن وقد مضى ذكره في فقرة سابقة.

والشاهد ههنا أن النبي"أرشده إلى أنه سيأتي قومًا أهل كتاب."

وذلك لأجل أن يستعد لهم الاستعداد الكافي، وينزلهم في خطابه منزلتهم اللائقة بهم؛ فلا يغض من شأنهم، ولا يهبط في حواره معهم.

قال ابن حجر × مبينًا تلك الوصية: =هي كالتوطئة للوصية؛ لتستجمع همته عليها؛ لكون أهل الكتاب أهل علم في الجملة؛ فلا تكون العناية بمخاطبتهم كمخاطبة الجهال من عبدة الأوثان+ [2] .

(1) _ انظر في أصول الحوار ص 35.

(2) _ فتح الباري 3/ 358.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت