ثم كتب هرقل إلى صاحب له برومية، وكان نظيره في العلم، وسار هرقل إلى حمص، فلم يرم حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق رأي هرقل على خروج النبي"وأنه نبي، فأذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة له بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلقت، ثم اطلع، فقال: يا معشر الروم هل لكم في الفلاح والرشد، وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي؟."
فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب، فوجدوها قد غلقت، فلما رأى هرقل نفرتهم، وأيس من الإيمان، قال: ردوهم علي، وقال: إني قلت مقالتي آنفًا أختبر بها شدتكم على دينكم، فقد رأيت؛ فسجدوا له، ورضوا عنه، فكان ذلك آخر شأن هرقل+ [1] .
فانظر كيف كان أثر ذلك الخطاب الجميل من رسول الله _عليه الصلاة والسلام_ إلى هرقل، ذلك الخطاب الذي فيه تنزيل هرقل منزلته، ومخاطبته خطابًا يليق به حيث كناه بعظيم الروم؛ فكاد هرقل أن يسلم لولا أنه وجد الممانعة، والمدافعة من أصحابه؛ فآثر الملك، والحياة الدنيا، فكان ذلك آخر شأنه.
ومن ذلك ما جاء في قصة محاورة النبي"لعتبة بن ربيعة؛ حيث قال له"في بداية الحوار =قل يا أبا الوليد أسمع+ [2] .
وقوله في نهاية حديث عتبة: =أفرغت يا أبا الوليد+.
وقد مر الحديث عن ذلك في فقرة ماضية، وبيانُ أن تكنية الرجل أمْرٌ محبب إلى النفوس، ومقرِّب لها، وأنه إشعار بالهدوء، والرضا، والطمأنينة، والبعد عن الهياج، والغضب والكبر، وازدراء المحاور؛ إذ إن من آفات الحوار تجاهل المحاوِر اسم محاوره كأن يقول المرء بين الفينة والأخرى لمحاوره: يا فلان بغير اسمه تجاهلًا له، أو أن يناديه بلقب يكرهه، أو يغمطه حقه وقدره الذي يستحقه، ويحب أن يُنادى به من الألقاب التي يُعرف بها، أو أن يكثر المحاور من مناداة محاوِره بضمير المخاطب خصوصًا إذا كان في غير محله أو كان سببًا لاستثارة محاوره، كأن يقول: أنتَ، أو قلتَ، أو تكلمتَ، أو أخطأت.
(1) _ البخاري (7) .
(2) _ مضى تخريجه ص 82.