فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 184

ولقد بوب البخاري في كتاب الأدب من صحيحه بابًا سماه: =باب: ما يجوز من الغضب والشدة لأمر الله+.

ثم ساق تحته خمسة أحاديث. [1]

وخلاصة القول أنَّ الرفق هو الأصل، وهو الأليق بحال المحاور ما لم تدع الحاجة إلى الحزم، وأنَّ الحزم قد لا يلائم كل أحد، خصوصًا ممن ليس له قَدْرُ سنٍّ، أو علم، أو منزلة، أو قبول عند الناس.

ولعل السبب في تنويع النبي"أنه كان يراعي أحوال المحاورين من حيث الشدة والرفق؛ فهو يستعمل الرفق في الأصل، ومع الجاهلين، أو الصغار، أو حديثي العهد بالإسلام، أو في غير ذلك من الأحوال والمصالح التي يحسن فيها الرفق."

ويستخدم الشدة أحيانًا مع من صدر منهم ما لا يليق بهم ذلك؛ لطول صحبتهم، أو لعلمهم، وورعهم، وتقواهم [2] .

كما كان يستعمل الشدة مع المعاندين والمتكبرين، والمستهزئين، والمستخفين بالدعوة؛ فاستعمال الرفق في موضعه حكمة، كما أن استعمال الشدة في مكانها حكمة، كما قال أبو الطيب المتنبي:

إذا قيل: رفقًا قل: فللحلم موضع ... وحلم الفتى في غير موضعه جهل

وكما قال ابن زُمُرُّك في أحد ممدوحيه:

عجبوا لِحِلْمِكَ أن تحوَّل سطوةً ... وزُلالِ خُلْقكِ كيف عادَ مُكَدَّرا

لا تعجبوا من رِقَّةٍ وقساوة ... فالنارُ توقد من قضيبٍ أخضرا

ثالثًا: استعمال المداراة حال الحوار: فالمداراة من أخلاق المؤمنين، والمحاور الناجح محتاج إلى الأخذ بها.

وكثيرًا ما تشتبه المداراة بالمداهنة؛ ذلك أن حدود الفضائل تقع بمقربة من أخلاق مكروهة.

وهذه الحدود في نفسها واضحة جلية، إلا أن تمييز ما يدخل فيها مما هو خارج عنها يحتاج إلى صفاءِ فطرةٍ، أو تربيةٍ تساس بها النفسُ شيئًا فشيئًا.

وكثيرًا ما يتشابه على الرجل لأول النظر أمور؛ فلا يدري أهي داخلة في الفضيلة، أم هي خارجة عن حدودها؟

(1) _ من (6109) إلى (6113) .

(2) _ انظر: من صفات الداعية مراعاة أحوال المخاطبين ص 86، وانظر: من صفات الداعية الرفق واللين د. فضل إلهي ص 39_45.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت