وربما سبق ظنه إلى غير صواب؛ فَيَخال ما هو من قبيل الفضيلة مكروهًا فَيَدَعُه، أو يَعِيبُ به غيرَه، أو يَخال ما هو من قبيل المكروه فضيلةً فيرتَكِبهُ، أو يمدح غيره عليه.
وهذا الشأن يجري في كثير من الأخلاق ومن ذلك _كما مر_ خلق المداراة؛ إذ يشتبه بالمداهنة مع أنه يمتاز عنه امتياز الصبح من الدجى. [1]
ولا ريب أن المحاور من أحوج الناس إلى ذلك؛ إذ هو يلاقي الناس، ويخالطهم، ويَعْرِض عقله كثيرًا أمامهم؛ فهو محتاج إلى مُدَاراة الناس عمومًا، ومُداراة زَمانه، ومُداراة مخالفيه.
فالمداراة ترجع إلى حسن اللقاء، وطيب الكلام، والتودد للناس، وتجنب ما يشعر بغضب أو سخط، كل ذلك من غير ثلم للدين في جهة من الجهات.
قال ابن بطال ×: =المداراة من أخلاق المؤمنين، وهي خفض الجناح للناس، وترك الإغلاظ لهم في القول، وذلك أقوى أسباب الألفة+. [2]
ولقد كان النبي"يأخذ بهذا الأدب الجميل في حواراته _أحيانًا_."
جاء في الصحيحين عن عروة عن عائشة _رضي الله عنها_ أن رجلًا استأذن على النبي"فلما رآه قال: =بئس أخو العشيرة، وبئس ابن العشيرة+."
فلما جلس تطلَّق النبي"في وجهه، وانبسط إليه، فلما انطلق قالت له عائشة: يا رسول الله! حين رأيت الرجل قلت له: كذا وكذا، ثم تطلَّقت في وجهه، وانبسطت إليه؟"
قال رسول الله"=يا عائشةُ! متى عهدتِّني فحَّاشًا؟ إن شر الناس عند الله منزلةً يوم القيامة من تركه الناس؛ اتقاء شره+."
وفي رواية =من تركه الناس، أو وَدَعَهُ الناس؛ اتقاء فحشه+. [3]
فلقاء رسول الله"لهذا الرجل المعروف بالبذاء من قبيل المداراة؛ لأنه لم يزد على أن لاقاه بوجه طلق، أو رَفَقَ به في الخطاب."
(1) _ انظر رسائل الإصلاح 1/ 124.
(2) _ فتح الباري 10/ 545.
(3) _ البخاري (6032) و (6054) و (6131) ومسلم (2591) .