لقد أثرت فيه تلك المعاملة، وتسلل ذلك الخطاب العالي إلى سويداء قلبه؛ فرجع إلى قومه متثاقل الخطى، متأثرًا بما سمع؛ فقرأ أصحابه التَغَيُّر في قسمات وجهه؛ فجاء إليهم، وقال لهم ما قال، وصار يدعوهم إلى الحياد في شأنه؛ فإن ظهر وعز فذلك له ولقومه، وإن ظهر عليه العرب فقد كفي قومُه حربه؛ لذلك قال له قومه: =لقد سحرك يا أبا الوليد+.
فهذا الموقف العظيم يحمل في طياته دروسًا وعبرًا وهي أنه يحسن المحاور الاستماع، ويصبر على صاحبه، ثم يجيب بلغة الواثق الهادئ، لا المتزعزع المتضعضع المضطرب. [1]
وليس هذا هو المثال الوحيد؛ بل هو قطرة من بحر، وسيأتي قريبًا من ذلك موقفه _عليه الصلاة والسلام_ مع زعيم المنافقين عبدالله بن أُبَي بن أبي سلول، ومع غيره من محاوريه.
فمن آداب الحوار، وأسباب رقيه، وجعله نافعًا مؤديًا للغرض _ رفع الإنسان من شأن محاوريه.
ويتمثل ذلك الأدب العظيم بأمور منها: إنزال المحاورين منازلهم، والتسليم لهم، والأخذ بآرائهم إذا أصابوا المرمى.
ويتمثل _أيضًا_ بالاستماع إلى شبهاتهم، واستنباط آرائهم، إلى غير ذلك مما سيأتي تفصيله.
ولقد كان _عليه الصلاة والسلام_ متمثلًا ذلك الأدب، آخذًا به على أحسن ما يكون، وفيما يلي بيان لذلك:
1_ إنزاله"المحاوَرين منازلهم: فذلك من أعظم آداب الحوار، ومن أنجع الأساليب التي ترقى به؛ فيجمل بالمحاور أن يعطي كلَّ مَنْ يحاوره منزلته اللائقة به من الإجلال، والإكرام؛ فذلك أدعى لقبول الحق، والإذعان إليه."
وذلك الأدب أدب نبوي؛ فقد أخرج مسلم في مقدمة صحيحه عن عائشة _رضي الله عنها_ أنها قالت: =أمرنا رسول الله"أن ننزل الناس منازلهم+ [2] ."
فمن إنزال المحاور منزلته أمور منها:
أ_ التعرف على أسماء المحاورين: إذ يحسن بالمحاور أن يتعرف على من يحاوره فردًا كان أو مجموعة.
(1) _ انظر في أصول الحوار 15_16 ومع المصطفى د. سلمان العودة ص 271_275.
(2) _ مقدمة صحيح مسلم ص 20.