قالوا: سحرك _ والله _ يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيي فيه فاصنعوا ما بدا لكم [1] .
ففي هذه القصة دروس عظيمة، وأصول نافعة، وآداب جليلة في باب الحوار، ولو استرسل الحديث في شأنها لطال المقام.
والذي يعنينا في هذا الصدد، أن الرسول الكريم"أحسن الاستماع لعتبة، وقال له: =قل يا أبا الوليد أسمع+."
وظل عتبة بن ربيعة يتكلم بلغة المتعالي بهذا الكلام المتهافت الذي يثير الغضب، والذي حَشْوُه التهم الباطلة، والاحتمالات السخيفة التي لو وجهت لأحد من الناس لثارت ثوائره _وحق له_ ولم يسمح لمن واجهه بها أن يكمل حديثه.
ومع ذلك ظل النبي"منصتًا طيلة الحديث، ويسمع بغاية الاهتمام دون مقاطعة، أو إسكات لعتبة، أو احتقار أو تكذيب له، أو قيام عنه."
ولم يكتف _عليه الصلاة والسلام_ بذلك، وإنما قال له بعد أن فرغ عتبة من حديثه: =أو قد فرغت يا أبا الوليد؟ + قال: نعم.
وهنا تلحظ الأدب النبوي العظيم؛ فلم يبدأ _عليه الصلاة والسلام_ حديثه بمجرد سكوت عتبة، وإنما سأله حتى يطمئن إلى أنه قد أفرغ ما في جَعْبته، وأنه قد أخذ فرصته كاملة؛ فلربما يكون قد نسي شيئًا، أو غفل عنه.
فلما استيقن _عليه الصلاة والسلام_ من فراغه مما لديه _ بدأ التلاوة.
وهذا قمة الأدب، وغاية الذوق؛ حيث هيأ الطرف الآخر للاستماع.
ثم لما انتهى سجد، وقال لعتبة: =قد سمعت يا أبا الوليد فأنت وذاك+.
أي أنت وما تختاره؛ فلم يَفْرض عليه أمرًا معينًا، وإنما وكله إلى عقله.
فماذا كان من عتبة لما قوبل بهذا الأدب الجميل، وسمع النبي"يُكَنِّيه في أول الحوار وآخره بهذا الخطاب الراقي =يا أبا الوليد+؟"
ولا شك أن مناداة الإنسان بكنيته معنى محبب للنفس؛ لما فيه من التقرب، والتآلف، والإشعار بالرضا؛ فماذا كان من عتبة؟
(1) _ انظر سيرة ابن إسحاق 4/ 187_188، والسيرة النبوية لابن هشام 2/ 130 _ 131، ودلائل النبوة للبيهقي 2/ 204 _ 205، والبداية والنهاية لابن كثير 3/ 63_64.