قال: فقعد عليه رسول الله"وجعل يعلمني مما علمه الله، ثم أتى إلى خطبته، فأتم آخرها+. [1] "
فانظر إلى هذا الإقبال، وذاك التواضع؛ حيث ترك خطبته، وجعل يجيب ذلك السائل مع أنه غريب؛ فأي تواضع أعظم من ذلك؟!
قال النووي × معلقًا على ذلك: =فيه استحباب تلطف السائل في عبارته، وفيه تواضع النبي"ورفقه بالمسلمين، وشفقته عليهم، وخفض جناحه لهم+. [2] "
فهذا حاله _عليه الصلاة والسلام_ في حواراته؛ وتلك شمائله وأخلاقه؛ فأجدر بأتباعه أن يجعلوا هذا الأدب مَعْلَمًا لهم في حياتهم، وسمة بارزة في حواراتهم؛ ليفتحوا بذلك قلوبَ محاوريهم، وليصلوا إلى مقصودهم في هداية الناس وإرشادهم؛ إذ المحاور الذي يأمل هداية الخلق أجدرُ الناس بالبعد عن الكبر بشتى صوره؛ فإن الكبر من أعظم ما يصد عن الحق؛ فالطرف الآخر إذا رأى من محاوره ازدراءً أو تعاليًا بالقول أو الفعل _ نفر منه، وكره ما عنده من الحق؛ لأن النفوس جبلت على محبة المتواضعين، وكراهية المتكبرين. [3]
وسيأتي مزيد بيان لذلك في مباحث آتية.
ثانيًا: إصغاؤه"وحسن استماعه لمحاوريه: فالإصغاء للمتحدث، وحسن الاستماع للمحاور من أعظم آداب الحوار، ومن أكثر ما يَتَحَدَّثُ عنه مَنْ يتكلم في الحوار أو يُؤَلِّف فيه؛ فلا تكاد تجد مُؤلفًا في الحوار أو أدب الحديث إلا ويذكر في مقدمة آدابِه الإصغاءَ، وحسنَ الاستماع سواء كان ذلك من المتقدمين أو المتأخرين، ولا تكاد تجد من يتحدث عن آفات الحوار، أو المحادثة إلا وتجد ذَمَّ مَنْ لا يصغي لمحاوره أو محدثه، إما بمقاطعته، أو منازعته الحديث، أو بالتشاغل عنه، أو متابعة متحدث آخر، أو إجالة النظر يمنة ويسرة إلى غير ذلك مما ينافي أدب الحديث والحوار."
(1) _ مسلم (876) .
(2) _ صحيح مسلم بشرح النووي 6/ 165.
(3) _ انظر الحوار للزمزمي ص 168.