ولك أن تتصور ما يدور في ذلك الحوار؛ إذ إن اهتمامات تلك الأَمَةِ لا يمكن أن ترتقي بحال إلى أن تتجاوز كلمة قيلت في حقها، أو سؤالًا ربما أقلقها وهو لا يحتل كبير شأن.
ومع ذلك يتواضع لها هذا النبي الأكرم _عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم_.
يقول ابن حجر× في تعليقه على الحديث: =وقد اشتمل على أنواع من المبالغة في التواضع؛ لِذِكره المرأة دون الرجل، والأمة دون الحرة.
وحيث عَمَّم بلفظ =الإماء+ أي أمة كانت، وبقوله: =حيث شاءت+ أي من الأمكنة، والتعبير بالأخذ باليد إشارة إلى غاية التصرف، ولو كانت حاجتها خارج المدينة، والتمست في مساعدتها في تلك الحاجة المساعد على ذلك.
وهذا دال على مزيد تواضعه، وبراءته من جميع أنواع الكبر+. [1]
2_ ما أخرجه مسلم عن أنس÷ أن امرأة كان في عقلها شيء، فقالت: يا رسول الله إن لي إليك حاجةً، فقال: =يا أم فلان انظري إلى أي السكك شئت، حتى أقضي لك حاجتك+ فخلا معها في بعض الطرق حتى فرغت من حاجتها+. [2]
ولسائل أن يقول: ماذا تريد تلك المرأة؟.
وما مدى اهتماماتها؟ وهل عند النبي"فراغ حتى يصرفه في محادثة تلك المرأة التي في عقلها شيء؟"
هذه أسئلة قد تدور في ذهن من لا يدرك تلك النفس الواسعة، وذلك القلب الكبير الذي وسع الناس بحلمه وكرمه، فكان لصغار الأمور وكبارها.
وفي ذلك درس لمن يأنف من محادثة تلك الطائفة من الناس من ذوي المدارك الصغيرة؛ فيفوته بذلك بركةُ التأسي، ويُحرَمُ الرحمةَ والنصر اللذين يُسْتَجلبان بسبب أولئك الضعفاء.
3_ ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي رفاعة قال: انتهيت إلى النبي"وهو يخطب قال: فقلت: يا رسول الله! رجل غريب جاء يسأل عن دينه، لا يدري ما دينه."
قال: فأقبل علي رسول الله"وترك خطبته حتى انتهى إلي، فَأُتِيَ بكرسي حَسِبْتُ قوائمَهُ حديدًا."
(1) _ فتح الباري 1/ 490.
(2) _ مسلم (2326) .