فمن أعظم مقومات الحوار سلامة المقاصد، وتتجلى سلامة مقاصد المحاور في إخلاص نيته، ورغبته في الوصول إلى الحق، وبعده عن الأغراض الشخصية، وإحسانه الظن بمحاوره، وبُعْدِه عن الدخول في نيته، وفرحه بظهور الحق على يد أي أحد.
وهذه المقومات ظاهرة لمن يتأمل سيرة النبي"وفيما يلي بيان لذلك بشيء من البسط:"
1_ إخلاص النية في الحوار: وذلك بأن يريد المحاور في حواره وجه الله، والوصول إلى الحق دون أن يريد بحواره إظهار براعته، وإبراز مقدرته، وإفحام أقرانه، ولفت الأنظار إليه، وما إلى ذلك من قوادح الإخلاص.
وهكذا كانت سيرة النبي"فلقد كان أشد الناس إخلاصًا لربه في حواراته وشتى شؤونه؛ كيف لا يكون كذلك وهو الذي أوحى إليه ربه [لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ (65) ] (الزمر) ."
وأوحى إليه [بَلْ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ (66) ] (الزمر) .
وأوحى إليه [وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ] (البينة:5) .
كيف لا يكون كذلك وهو القائل: =إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى+ [1] .
كيف لا يكون كذلك وهو الذي يروي عن ربه قوله _عز وجل_: =أنا أغنى الشركاء عن الشرك؛ فمن عمل عملًا فأشرك فيه غيري فأنا منه بريء، وهو للذي أشرك+ [2] .
قال الله _تعالى_: [قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ] (سبأ:46) .
فهذه الآية وضعت مقومات الحوار، وأصوله، وشروط الانتفاع به.
وأول أصل ذكر في هذه الآية هو الإخلاص في قوله _عز وجل_: [أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ] .
(1) _ أخرجه البخاري (1) .
(2) _ أخرجه مسلم (2985) .