فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 184

أي تقوموا لله وحده؛ فيكون الباعث لكم إرادة وجه الله دون من سواه، فهذا هو الإخلاص، والتجرد في طلب الحق.

وبدونه يكون الحوار فاقدًا لروحه، وأعظم أصوله، ومقوماته.

ولقد كان _عليه الصلاة والسلام_ صافيَ السريرةِ، حسنَ السيرةِ لا يبغي في حواراته إلا هديًا، ولا ينوي إلا إصلاحًا.

وكان _عليه الصلاة والسلام_ سالمًا من الأغراض الشخصية، مترفعًا عن المطامع الدنيوية؛ فما كان خاملًا؛ فيطلب بهذه الدعوة نباهة شأن ووجاهة؛ فإن في شرف أسرته، وبلاغة منطقه، وكرم خلقه ما يكفيه لأن يحرز في قومه الزعامة لو شاء.

وما كان مُقِلًا حريصًا على بسطة العيش؛ فيبغي بهذه الدعوة ثراءً؛ فإن عيشه يوم كان الذهب يصب في مسجده ركامًا لا يختلف عن عيشه يوم كان يلاقي في سبيل الدعوة أذىً كثيرًا، وعيشَه يومَ كان يتعبد في غار حراء كعيشه يوم أظلت رايتُه البلادَ العربية، وأطلت على ممالك قيصر من ناحية تبوك. [1]

ويشهد لإخلاص النبي"في حواراته وتحلِّيه بهذا الأصل العظيم شواهد كثيرة، وسيرد ذكر شيء منها في تضاعيف هذا البحث، بل لا تبالغ إذا قلتَ: إن جميع حواراته _عليه الصلاة والسلام_ ناطقة بإخلاصه شاهدة له بذلك."

وفي هذا درس عظيم لكل من أراد الحوار، وهو أن يصحح نيته، وأن يتخلص من حظوظ نفسه، وأن يستحضر شهودَ ربه واطلاعه عليه.

وأن يدرك أن الإخلاص عليه مدار العمل؛ فعليه لزوم الإخلاص قبل الحوار، وأثناءه، وبَعْدَه، وعليه تجنبُ كلِّ ما من شأنه أن يخدش الإخلاص، ويقدح من سلامة القصد حتى لا يحبط عمله، وتضيع ثمرة جهده؛ فالحوار بدون نية حسنة مضر بصاحبه أيما ضرر [2] .

(1) _ انظر محمد رسول الله وخاتم النبيين للشيخ محمد الخضر حسين ص 205.

(2) _ انظر في أصول الحوار ص 30، والحوار آدابه وضوابطه ص 139_140، وقواعد ومنطلقات في أصول الحوار ورد الشبهات د. عبدالله الرحيلي ص 38_39.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت