فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 184

وقد سبق إلى ذهن عائشة _رضي الله عنها_ أن الذي بلغ أن يقال فيه: =بئس أخو العشيرة، وبئس ابن العشيرة+ لا يستحق هذا اللقاء، ويجب أن يكون نصيبُه قسوةَ الخطاب، وعبوسَ الجبين.

ولكنَّ نَظَرَ رسولِ الله"أبعدُ مَدَىً، وأناته أطول أمدًا؛ فهو يريد تعليم الناس كيف يملكون ما في أنفسهم؛ فلا يَظْهَر إلا في مكان أو زمان يليق إظهاره فيه."

ويريد تعليمهم أدبًا من آداب الاجتماع، وهو رِفْقُ الإنسان بمن يقصد إلى زيارته في منزله، ولو كان شرُّه في الناس فاشيًا.

على أن إطلاق الجبين لمثل هذا الزائر لا يمنع من إشعاره بطريق سائغ أنك غير راض عما يُشيعُه في الناس من أذىً، ولا يعوقك أن تعالجه بالموعظة الحسنة إلا أن يكون شيطانًا مريدًا. [1]

فهذه نبذة يسيرة عن رفقه"وحلمه، وسعة صدره حال الحوار."

الفصل الثالث: أساليب الحوار في السيرة النبوية

لا يمتري عاقل في أن للأسلوب مكانته العليا في الحوار؛ فإذا كان المحاور ذا أسلوب حسن، وتفننٍ في عرض أفكاره _ كان ذلك أدعى لقبول ما يطرحه، ويدعو إليه، والعكس.

ولا ريب أن حسن البيان، وفصاحة المنطق، وبلاغته _ من ضروب العظمة الحاملة على إجلال صاحبها، وأنها من أعظم المقومات لنجاح الحوار، ومن أمضى أسلحة المحاور، وأدعى الأسباب لقبول الحق؛ ذلك أن العمل على إنقاذ النفوس من أودية الغواية، والإقبال بها على مطالع السعادة مسلك وعر، ولا يمر فيه على استقامة تامة إلا من بلغ في صناعة البيان أمدًا قصيًا.

ولا يكفي في المحاورة أن يكون في يد القائم بها حجة، أو موعظةٌ يلقيها في أي صورة شاء؛ ذلك أن المخاطبين يختلفون ذوقًا، وثقافةً، واختلافَ زمنٍ وبيئةٍ.

ومن اللائق أن تصاغ دعوةُ كلِّ طائفةٍ في أدب يليق بأذواقها وثقافتها.

(1) _ انظر رسائل الإصلاح 1/ 131_138 و 2/ 100.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت