فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 184

وقد تكون معانيْ الحوار حاضرةً في ذهن الشخص، ولا يجد في نفسه تأثرًا بها، حتى إذا عُرِضت عليه تلك المعاني في أسلوب بارع وقعت منه موقع الإعجاب، حتى لكأنها معانٍ جديدةٌ لم يسبق له بها علم. [1]

فلا غرو_إذًا_أن ترى الرجلين يلقيان حوارًا في باب واحد، وفي غرض واحد وبينهما في التأثير ما بين السماء والأرض، وربما كان ذلك بسبب أسلوب العرض؛ فترى أن نفوس الناس قد أقبلت على أحدهما، وأساغت حواره إساغة الظمآن للماء القراح، وتراها جَفَتْ وجفلت عن محاورة الآخر؛ فزلَّت عن القلوب كما زلت الصفواء بالمتنزَّل.

ثم إن نفرًا من الناس غير قليل يستهويهم رونقُ الألفاظ أكثر من حكمة معانيها؛ فلا ينبغي أن يستخف بهؤلاء، وأن يتركوا لِعُصْبة المضلين يعرضون عليهم الآراءَ المنحدرةَ في شقاء.

وإذا لم يكن لأولئك المضلين سبيلٌ على المستضعفين سوى أنهم يحبِّرون لهم القول تحبيرًا _فمن الميسور على دعاة الإصلاح أن يسابقوهم في مضمار البراعة؛ فإنهم متى ألبسوا الدعوة إلى الحق والفضيلة أساليب بديعة أحرزوا الغاية، وأنقذوا أولئك المستضعفين من ضلال بعيد. [2]

ولا يعني ذلك أن يتكلف المحاور السجع، ويتحرى دقائق الإعراب، ووحشيَّ اللغة، وأن يقْصِد إلى التشدق، والتقعر.

وإنما المقصود أن يلبس حواره ثوبًا جميلًا يُفهم، ويستحسن، ويقع موقعه في القلوب. [3]

وغير خاف أن النبي"قد بلغ الذروة في ذلك الشأن؛ فقد أحرز من خصلتي الفصاحةِ والبلاغةِ الغايةَ التي ليس وراءها لمخلوق غاية، فانظروا _إن شئتم_ إلى حواراته وخطبه، وما يضربه من الأمثال، وينطق به من جوامع الكلم تجدوا جزالة اللفظ، ومتانة التركيب، وسهولة المأخذ، إلى رفعة الأسلوب، إلى حكمة المعنى. [4] "

(1) _ انظر الدعوة والإصلاح ص 25_26، و 65.

(2) _ انظر الدعوة والإصلاح ص 53_ 54.

(3) _ انظر أدب الموعظة للمؤلف ص 63_67.

(4) _ انظر محمد رسول الله وخاتم النبيين ص 206.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت