وما كان رسول الله"يستغرق الصباح كله في المجلس؛ فإن أصحابه كانوا يذهبون إلى أعمالهم وحاجاتهم، ولأن رسول الله"كان يدخل بيوت أزواجه، فقد قالت عائشة _رضي الله عنها_: كان يكون في بيته في مَهْنَةِ أهله. [1]
وفي حديث علي÷من رواية الترمذي ورواية عياض: كان دخوله لنفسه؛ فكان إذا أوى إلى منزله جزَّأ دخوله ثلاثة أجزاء: جزءًا لله، وجزءًا لأهله، وجزءًا لنفسه، ثم جزأ جزءه بينه وبين الناس، فَيَرِدُ ذلك على العامة بالخاصة، ولا يدخر عنهم شيئًا. [2]
أي كان له في بيته وقت يجلس إليه فيه خاصة أصحابه ومن له حاجة خاصة.
ومعنى يرد ذلك على العامة أنه تحصل منه منفعة للعامة بما يرويه الخاصة من علمه للناس، وفي هذا دليل على أن مُعْظَمَ ما عدا وقت دخوله إلى منزله كان وقت مجلسه إلا إذا عرضت حاجة يذهب إليها. [3]
كيف لا يكون مجلس يحتله رسول الله"ميدانًا تسابق الآداب فيه إلى غاياتها، وجوًَّا ترفرف فيه الكمالات راقيةً إلى سماواتها."
فإن صاحبَه هو الذي أَدَّبه ربه بأحسن تأديب، وجلساءَه هم أولئك الغُرُّ المناجيب، وناهيك بأن ورد بعض آدابه في الكتاب المجيد، قال الله _تعالى_: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا] (المجادلة:11) .
(1) _ انظر صحيح البخاري (676) .
(2) _ أخرجه الطبراني في الكبير 22/ 157.
(3) _ انظر الهداية الإسلامية 10/ 594.