فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين ما جمع رسول الله"، ثم تابعه بعدُ عمر، فلم يلتفت أبو بكر إلى مشورة؛ إذ كان عنده حكم رسول الله"في الذين فرقوا بين الصلاة والزكاة وأرادوا تبديل الدين وأحكامه+. [1]
وهكذا يتجلى لنا من خلال السيرة النبوية ذلك الأدب العظيم في حوارات النبي"ألا وهو رفعه"من شأن محاوريه.
فالمحاور محتاج لتلك الصفات الحميدة، والأخلاق العالية التي تضفي على حواره السكينة، والهدوء، وتجعله يؤتي أكله أضعافًا مضاعفة.
ولقد كان نبينا _عليه الصلاة والسلام_ آخذًا بتلك الآداب في حواراته مع كافة الطبقات، وفيما يلي إيضاح لما أجمل من معاني الرفق والإحسان.
أولًا: أخذه"بالحلم والصبر وسعة الصدر: فالمحاور محتاج لذلك أشد الحاجة؛ إذ هو معرض لما يثيره، ويحرك دواعي الغضب فيه."
ومن مواعظ لقمان _عليه السلام_ لابنه: [وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ] (لقمان: 17) .
فلا يحسن بالمحاور أن يكون ضيِّق الصدر، قليل الصبر؛ ذلك أن الجماعات التي استشرى فيها الفساد كالمريض، والمحاور _خصوصًا إذا كان رأسًا في الخير_ كالطبيب.
وكما أن المريض قد يدفعه جهله، أو سوء تصرفه إلى أن ينال الطبيب ببعض السوء _فكذلك الجماعات التي أنهكها الشر، واستحوذ عليها الشيطان؛ فقد يدفعها ذلك أن تنال طبيب الأرواح ببعض الأذى.
فإذا ضاق صدره، وقل احتماله تنغَّصت حياته، ولم يصدر عنه خير كثير، أو عمل كبير؛ فخير للمحاور _إذًا_ أن يتلقى الأذى بصدر رحب، وأفق واسع، ونفس مطمئنة.
وليعلم أن مهمته شاقة؛ فليستعد لها بالاستعانة بالله، وليداوِ كُلُومَ النفوس بالهدوء، وسعة الصدر، ولين الجانب، ومقابلة الإساءة بالإحسان؛ فإن تلك الصفاتِ رُقْيَةُ النفوس الشرسة، وبلسمُ الجراح الغائرة.
(1) _ صحيح البخاري كتاب الاعتصام 96 باب قوله تعالى: [وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ] ص 1404.