فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 184

وليستحضر أنه ما وقف أمام الناس ليخاصمهم؛ فَيَخْصِمَهم، ولكنْ ليداويَ فسادهم، ويردَّ شاردهم؛ فليحرص على أن يؤلف القلوب والنفوس بتلك الصفات.

قال الله _تعالى_ في وصف نبينا محمد": [وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ] (آل عمران:159) ."

وقال الله _عز وجل_ له: [خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ] (الأعراف:199) .

وهكذا كان _عليه الصلاة والسلام_ في حواراته؛ فكان يعرض دعوته في لين من القول، وكان يأخذ بالحلم، والصبر، ويقابل الجاهل بالإعراض، والمسيء بالعفو أو الإحسان.

وإن أذىً كثيرًا كان يلحقه من مشركي قريش وسفهائهم؛ فيلقاه بالصبر، ولا ينال من عزمه واسترساله في الدعوة ولو شيئًا قليلًا.

وكم من كلمة يرميه بها بعض المنافقين، أو بعض الجفاة من الأعراب، فيكون جزاؤها الصفحَ، أو التبسمَ، أو الإنعامَ. [1]

فإذا كان المحاور على هذا النحو من هذه المكارم أثمر حواره، وحاز من العلياء كل مكان.

وإليك هذا المثال العالي من حوارات النبي"التي سارت على ذلك الطراز."

جاء في الصحيحين عن سعيد بن أبي سعيد أنه سمع أبا هريرة يقول: =بعث رسول الله خيلًا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه رسول الله"فقال: =ماذا عندك يا ثمامة؟ +."

فقال: عندي يا محمد خير، إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال، فسل تُعطَ منه ما شئت.

فتركه رسول الله"حتى كان بعد الغد، فقال: =ما عندك يا ثمامة؟ +."

قال: ما قلت، إن تنعم تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال فَسَلْ تعط منه ما شئت.

فتركه رسول الله"حتى كان من الغد، ثم قال: =ماذا عندك يا ثمامة؟ +."

(1) _ انظر محمد رسول الله وخاتم النبيين ص 113، والخطابة لأبي زهرة ص 161 _ 162.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت