فقام حمزة بالسيف فاجتب [1] أسنمتهما، وبقر خواصرهما، فأخذ من أكبادهما، قال علي: فانطلقت حتى أدخل على رسول الله"وعنده زيد بن حارثة، قال: فعرف رسول الله"في وجهي الذي لقيت، فقال رسول الله": =ما لك؟ + قلت: يا رسول الله، والله ما رأيت كاليوم قط، عدا حمزةُ على ناقتيَّ فاجتب أسنمتهما، وبقر خواصرهما، وها هو ذا في بيت معه شَرْب، قال: فدعا رسول الله"بردائه فارتداه، ثم انطلق يمشي واتبعته أنا وزيد بن حارثة حتى جاء الباب الذي فيه حمزة، فاستأذن فأذنوا له؛ فإذا هم شرب، فطفق رسول الله"يلوم حمزة فيما فعل، فإذا حمزة محمرة عيناه فنظر حمزة إلى رسول الله"ثم صعد النظر إلى ركبتيه، ثم صعد النظر فنظر إلى سرته، ثم صعد النظر فنظر إلى وجهه، فقال حمزة: وهل أنتم إلا عبيد لأبي؛ فعرف رسول الله"أنه ثمل [2] فنكص رسول الله"على عقبيه القهقرى وخرج وخرجنا معه+ [3] .
فالنبي"ذهب إلى حمزة ÷ يريد محاورته بالذي حصل منه، فلما بدأ _عليه الصلاة والسلام_ يلومه على صنيعه، وانتظر جواب حمزة _ لم يجد عنده جوابًا يشفي، وإنما وجد رجلًا قد شرب من الخمر حتى الثمالة؛ فلم يعد فيه بقية من عقل كي يأخذ أو يعطي كما يفعل الرجل السوي؛ فأجابه إجابة تنم عن حاله التي هو عليها من جهة أن عقله قد غطَّته الخمر، فقال: =وهل أنتم إلا عبيد لأبي+."
فأدرك _ عليه الصلاة والسلام _ من نظرات حمزة، ومن جوابه أنه في غير وعيه، فقطع الحوار، وانصرف؛ لأن الحوار لا فائدة منه.
وهذه خير وسيلة إذا كان الأمر كما ذكر.
وما من ريب أن ذلك الحدث كان قبل تحريم الخمر. [4]
وبهذا ينتهي الحديث عن الفصل الثالث الذي يدور حول أساليب الحوار في السيرة النبوية.
(1) _ اجتب: أي قطع.
(2) _ ثمل: سكران.
(3) _ البخاري (2089 و 2375 و 3091) ومسلم (1979) .
(4) _ انظر صحيح مسلم بشرح النووي 3/ 126.