فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 184

وهذا ليس من صفات ذي المروءة؛ إذ المروءة تقتضي الإنصاتَ للمتحدث ولو كنت تعلم حديثه من قبل، وإلى هذا المعنى الجميل يشير أبوتمام بقوله:

من لي بإنسان إذا أغضبته ... وجهلت كان الحلمُ ردَّ جوابِه

وتراه يصغي للحديث بسمعه ... وبقلبه ولعله أدرى به [1]

ومن مظاهر عدم إعطاء الفرصةِ القيامُ من المتحدث قبل أن يكمل حديثه؛ فهذا من قلة الأدب، ومما ينافي إكرام الجليس، فلا يسوغ للمرء أن يقوم عن المتحدث قبل أن يكمل حديثه؛ لما في ذلك من استجلاب الضغينة، واحتقار المتحدِّث إلا إذا احتاج السامع للقيام، واستأذن من محدِّثه_فهنا ينتفي المحذور.

قال أبو مجلز: =إذا جلس إليك رجل يَتَعَمَّدُك فلا تقم حتى تستأذنه+. [2]

وقال أسماء بن خارجة: =ما جلس إليَّ رجل إلا رأيت له الفضل عليَّ حتى يقوم عني+. [3]

ومن مظاهر عدم إعطاء الفرصة المبادرة إلى تكذيب المحاور؛ فمن الناس من إذا طَرَقَ سَمْعَهُ من محاوره كلامٌ غريبٌ من متحدِّث ما _ بادر إلى تكذيبه، وتفنيد قوله، إما تصريحًا، أو تلميحًا، أو إشارةً باليد أو العين، أو أن يهمز من بجانبه؛ ليشعره بأن المتحدِّث كاذب.

فهذا العمل من العجلة المذمومة، ومن إساءة الظن بمن يتحدّث، وهو مما ينافي كمال الأدب والمروءة.

فينبغي لمن استمع حديثًا من أحد ألا يبادر إلى تكذيبه، بل عليه أن يُنصت له، وإن رأى في هذا الحديث وجهَ غرابةٍ فلا يستعجل الحكمَ عليه بالكذب، بل يستفصل من المتحدِّث، لعله يُبين له وجهته وأدلته.

ثم إن تأكد من كذبه فلينصح له على انفراد؛ لئلا يعاود الكذب مرةً أخرى.

فإن عاد إليه، واقتضت المصلحة أن يُبيَّن كذبه_فلا بأس حينئذ من ذلك؛ حتى يرتدع من تلك الخصلة الذميمة.

فهذه بعض المظاهر لعدم إعطاء المحاورِ الفرصةَ الكافية، مما يجعل أكثر الحوارات لا تجدي نفعًا، ولا تعود بعائدة.

(1) _ شرح ديوان أبي تمام ص 30.

(2) _ المنتقى من مكارم الأخلاق ص 153.

(3) _ المنتقى من مكارم الأخلاق ص 153.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت