فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 184

=وذكر الشعبيُّ قومًا، فقال: مارأيت مثلهم أشدَّ تناوبًا في مجلس، ولا أحسن فهمًا من محدث+. [1]

ولقد كان النبي"أحسن الناس إصغاءً وحسنَ استماعٍ لمحاوريه؛ ولا تجد في محاوراته شيئًا مما ينافي ذلك الأدب."

بل لقد وصفه ربه _ جل وعلا _ بأحسن وصف من هذه الناحية؛ فقال _عز وجل_ عن نبيه حين أراه ما أراه عندما عُرج به إلى السماء، وكلمه ربه: [مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى] (النجم:17) .

قال ابن القيم×: =إن هذا وصفٌ لأدبه"في ذلك المقام؛ إذ لم يلتفت جانبًا، ولا تجاوز ما رآه، وهذا من كمالِ الأدب."

والإخلالُ به أن يلتفت الناظر عن يمينه وعن شماله، أو يتطلع أمام المنظور؛ فالالتفات زيغ، والتطلع إلى ما أمام المنظور طغيان ومجاوزة؛ فكمال إقبال الناظر على المنظور ألا يصرف بصره عنه يمنة ولا يسرة، ولا يتجاوزه.

هذا معنى ما حصلته عن شيخ الإسلام ابن تيمية _قدس الله روحه_+. [2]

إلى أن قال ابن القيم×: =وفي هذه الآية أسرار عجيبة، وهي من غوامض الأدب اللائقة بأكمل البشر"."

تواطأ هناك بصره وبصيرته، وتوافقا، وتصادقا فيما شاهده بصره؛ فالبصيرة مواطئة له، وما شاهَدَتْهُ بصيرتُه فهو _ أيضًا _ حق مشهودٌ بالبصر؛ فتواطأ في حقه مشهد البصر والبصيرة.

ولهذا قال _ سبحانه وتعالى _: [مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (12) ] النجم.

أي ما كذب الفؤاد ما رآه ببصره+.

إلى أن قال: =وهذا غاية الكمال والأدب مع الله الذي لا يلحقه فيه سواه، فإن عادة النفوس إذا أقيمت في مقام عالٍ رفيع أن تتطلع إلى ما هو أعلى منه وفَوْقَه؛ ألا ترى أن موسى"لما أقيم في مقام التكليم والمناجاة طلبت نفسه الرؤية؟"

ونبينا"لما أقيم في ذلك المقام وفّاه حقه؛ لم يلتفت بصره ولا قلبه إلى غير مايقيم فيه البتة+. [3] "

(1) _ عيون الأخبار 1/ 308.

(2) _ مدارج السالكين لابن القيم 2/ 261.

(3) _ مدارج السالكين 2/ 362.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت