فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 184

كذلك قد تقول قولًا تراه صوابًا، وقد تعمل عملًا تحسبه حسنًا، فينقده آخرُ بميزان العلم الصحيح، ويريك أنك قد قلت خطأً، أو عملت سيئًا.

ففي مثل هذا المقام قد تجد في نفسك كراهةً للاعتراف بالخطأ في القول، أو الإساءة بالعمل.

فإن كنت على ذُكْر في فضيلة الرجوع للحق، وعلى بَيِّنَةٍ من قبح الإصرار على الباطل_لم تلبث أن تكظم الكراهة، ولم تجد في نفسك حرجًا من أن تقول للناس: إني أخطأت في قولي، وأسأت في عملي؛ فالأكابر الذين تأدبوا بأدب الإسلام، واقتدوا بسيرة خير الأنام لا يأنفون من الاعتراف بالخطأ إذا أخطأوا، ولا يتَلبَّثُون في الرجوع إلى الحق ولو عظمت مناصبهم وعلت أقدارهم.

والراسخون في الفضيلة لا يبالون أن يكون رجوعهم عن الخطأ أمام من خالفهم وحده، أو بمحضر جمع كبير. [1]

=وقد ينقل التاريخ شذراتٍ من حوادث المنصفين لمن خالفهم في أمر، أو المعترفين لبعض خصومهم بفضيلة؛ فتهتز في نفوس قرائها عاطفةُ احترامٍ لمن أقر بالخطأ، أو اعترف لخصمه بخصلة حمد.

وربما كان إكبارهم لمن أقر بالخطأ فوق إكبارهم لمن خالفه في الرأي فأصاب.

وربما كان إكبارهم لمن شهد لخصمه بمكرمة فوق إكبارهم للشخص المشهود له بتلك المكرمة.

وسبب هذا الإكبار عظمةُ الإنصاف، وعزةُ مَنْ يأخذُ نفسه بها في كل حال+. [2]

ولو أخذت هذه الخصلة حظها من النفوس لعمّ الائتلاف، ولقلّ الاختلاف.

عن الربيع بن سليمان قال: =سمعت الشافعي يقول: ما أورَدْتُ الحقَّ والحجة على أحد فقبلهما مني إلا هِبْتُه، واعتقدت مَوَدّتَهُ، ولا كابرني على الحق أحد، ودافع الحجة إلا سقط من عيني+. [3]

=ونقرأ في تاريخ العلامة محمد بن عبدالسلام أن ابن الصباغ اعترض عليه في أربع عشرة مسألة، فلم يدافع عن واحدة منها، بل أقر بالخطأ فيها جميعًا+. [4]

(1) _ انظر رسائل الإصلاح1/42_45.

(2) _ رسائل الإصلاح1/46.

(3) _ صفة الصفوة2/167.

(4) _ رسائل الإصلاح1/42.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت