فإذا لم ينصفك محاورُك، فَرَدَّ عليك الحقَّ بالشمال وباليمين، أو جحد جانبًا من فضلك، أو تعامى عما معك من الحق وهو يراه رأيَ العين_فلا تُسايرْهُ في ذلك، ولا تكن قلة إنصافِه ِحاملةً لك على أن تقابله بالعناد، فتردَّ عليه حقًَّا، أو تجحد له فضلًا؛ فاحترس من أن تسري لك من محاورك عدوى هذا الخلق الممقوت، فيلج في نفسك، وينشط له لسانك، وأنت تحسبه من قبيل محاربة الخصوم بمثل سلاحهم.
كلا، لا يحارب الرجل خصومه بمثل اعتصامه بالفضيلة، ولاسيما فضيلة كفضيلة الإنصاف؛ فهي تدل على نفس مطمئنة، وأفق واسع، ونظر في العواقب بعيد. [1]
ثم إن في سيرته _عليه الصلاة والسلام_ في قبول الحق من أي أحد ولو كان خصمًا _كما في قصة الحبر التي مضى ذكرها_ إرشادًا، وتعليمًا، ودرسًا لكل محاور يأمل في نجاح حواره، وتبليغ حجته، وهو أن يلزم الإنصاف، ويقبل الحق من كل أحد؛ لأن من أعظم آفات الحوار التي تنافي الإنصاف فيه ردَّ الحق؛ فمن المحاورين من يأنف من الرجوع إلى الحق بعدما يتبين له وجه الحقيقة الأبلج؛ إما خوفًا من سقوط منزلته، وإما لحسدٍ تنطوي عليه دخيلة نفسه، أو حذرًا من تفوق الخصم، وحرصًا على الانفراد بخصال الحمد، أو متابعة للأصحاب، ومسايرة لمن هم على الشاكلة، أو لإرادة الإضلال، ومحاولة قتل الحق وطمس معالمه، أو غير ذلك من أسباب رد الحق، و الإصرار على الباطل.
وهذه الآفة نوع من العناد =والعناد قبيح، ويشتد هذا القبح بمقدار ظهور الحجة على الرأي الذي تحاول رَدَّه على صاحبه؛ فمتى كانت الحجة أظهر كان العناد أقبح.
والإنصاف جميل، ويكون جماله أوضح وأجلى حيث يكون في حجة الرأي الصائب شيء من الخفاء، وحيث يمكنك أن تَتَحَيَّزَ لرأيك، وتهيِّئ كثيرًا من الأذهان لقبوله+. [2]
(1) _ انظر رسائل الإصلاح 1/38_47.
(2) _ رسائل الإصلاح1/46.