فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 184

بل إن خطأ معاذ في إطالة الصلاة لم يمنع النبي"من أن يرسله إلى اليمن قاضيًا وحاكمًا، ومفتيًا كما في الصحيحين. [1] "

ولم يمنعه _عليه الصلاة والسلام_ ذلك من أن يصرح لمعاذ÷ بالحب، فيقول: =يا معاذ إني والله لأحبك، أوصيك يا معاذ لا تَدَعَنَّ في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك+ [2] .

أين هذا العدل، وذلك التعامل الراقي من أناس لا يرعون أصول الحوار، ولا آدابه؛ فتراهم يصرمون، ويهجرون _حال حوارهم_ لأدنى سبب، وأقل هفوة؛ إذ كثيرًا ما تفسد ذات البين بين المتحاورين؛ حتى إن ذلك لَيَحْدُث بين الزملاء، والأصحاب.

فهذه نبذة عن عدل النبي"وإنصافه في الحوار، وإن سيرته لحافلة بالكثير من ذلك."

وتلك النبذة ترشد إلى ما ينبغي تجنبه من آفات الحوار، والتي يأتي على رأسها قلة الإنصاف؛ فقلة الإنصاف خصلة قبيحة، تنساق بصاحبها إلى دركات سحيقة، فتقوده إلى الظلم، والكبر، والتزيد، والاعتساف، وتَنْجَرُّ به إلى الصرم، والهجر، والقطيعة، قال الحكيم العربي:

ولم تزل قلةُ الإنصافِ قاطعةً ... بين الرجال وإن كانوا ذوي رحم

ثم إن قلة الإنصاف تسقط الاحترام من العيون والقلوب، وتحول بين الرجل وبين أن يزداد علمًا وفضلًا، كما أنها تخذل العلم، وتطمس شيئًا من معالمه، كما أنها تُحدث فيه فسادًا عريضًا.

(1) _ انظر البخاري (1458 و 1496 و 2448) ومسلم (19) .

(2) _ رواه أحمد 5/244 و 245 و 274، وأبو داود (1522) والنسائي (1301) والحاكم 1/273 وصححه ووافقه الذهبي، وصححه ابن خزيمة (751) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت