المثال الخامس: وهو قريب من المثال السابق، وهو ما جاء في الصحيحين عن جابر ابن عبدالله÷ قال: =كان معاذ بن جبل يصلي مع النبي"ثم يرجع فيؤم قومه، فصلى ليلة مع النبي"العشاء، ثم أتى قومه فأمَّهم، فافتتح بسورة البقرة، فانحرف رجل، فسلَّم، ثم صلى وحده، وانصرف، فقالوا له: أنافقت يا فلان؟ قال: لا، والله لآتين رسول الله"فلأخبرنه، فأتى رسول الله"فقال: يا رسول الله إنَّا أصحاب نواضح نعمل بالنهار، وإن معاذًا صلى معك العشاء، ثم أتى فافتتح بسورة البقرة، فأقبل رسول الله"على معاذ فقال: =يا معاذ! أفتان أنت! اقرأ بكذا، واقرأ بكذا+."
وفي رواية: =يا معاذ! أفتان أنت _ثلاثًا_ اقرأ: =والشمس وضحاها+ و=سبح اسم ربك الأعلى، ونحوهما+.
وفي رواية: =فتان،فتان، فتان+ ثلاث مرار أو قال: =فاتنًا، فاتنًا، فاتنًا+ [1] .
فهذا حوار فيه شيء من الشدة والحزم الذي استدعاه المقام.
ومع ذلك لم ينس _عليه الصلاة والسلام_ سابقةَ معاذٍ، ولا فضله، ولا علمه، ولم يكن ذلك وسيلة إلى الإعراض عنه، والزهد فيه، بل إن الأمر انتهى ساعة نهاية الحوار.
وبعدها أقبل _عليه الصلاة والسلام_ على معاذ، ولم يصرم حبال الودِّ معه، ولم يدع تخصيصه ببعض العلم، كما جاء في الصحيحين عن معاذ÷ قال: =كنت ردف النبي"على حمار يقال له: عفير فقال: يا معاذ هل تدري حق الله على عباده، وما حق العباد على الله، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله، أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا، فقلت: يا رسول الله أفلا أبشر به الناس، قال: لا تبشرهم فيتكلوا+ [2] ."
فانظر إلى هذا العطف، وهذه المودة مع الإنكار والحزم في الحديث الأول.
(1) _ البخاري (701 و 507 و710 و6106) ومسلم (465) .
(2) _ البخاري (2856 و 7373) ومسلم (30) .