المثال الثاني: ما كان من أمر أم المؤمنين أم سلمة _رضي الله عنها_ في قصة الحديبية، وذلك عندما قال النبي"لأصحابه: =قوموا فانحروا ثم احلقوا+ فما قام منهم رجل واحد، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله! أتحب ذلك؟ اخرج، ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة، حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك، فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحدًا منهم، حتى فعل ذلك، نحر بدنه، ودعا حالقه، فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًَّا [1] ."
فتأمل مجيء النبي"إلى أم سلمة _رضي الله عنها_ وبثه إليها ما لقيه من الناس _وهو مغموم_ فلما حاورها في ذلك الشأن أشارت إليه بذلك الرأي الحصيف، وهو أن يبدأ ذلك بنفسه؛ فأخذ _عليه الصلاة والسلام_ برأيها؛ فحصل الخير الكثير من جراء ذلك."
وفي هذا تنبيه إلى أن الزوج العاقل هو من يُعنى بزوجته، ويرفع من شأنها، ويحاورها، ويستشيرها فيما ينوبه من بعض أحواله.
وفيه إرشاد لمن يستهين بزوجته؛ فلا يراها إلا هملًا مضاعًا، أو لقىً مزدرىً تذروه الرياح؛ فلا يعتد بحوارها، ولا يستشيرها في أي شيء من شؤونه، ولا يأخذ برأيها إن هي أشارت؛ فيخسر بذلك خيرًا عظيمًا، وسعادة معجلة.
المثال الثالث: أن عائشة _ رضي الله عنها _ كانت البِكْرَ الوحيدة من أزواجه"وكانت تُدِلُّ بذلك، وتشير إليه بذكاء وفطنة امتازت بها، تقول: =يا رسول الله أرأيت لو نزلت واديًا وفيه شجرة قد أُكِل منها، ووجدت شجرًا لم يؤكل منها في أيِّها تُرتِع بعيرك؟ قال: =في التي لم يُرتع منها+ تعني أن رسول الله"لم يتزوج بكرًا غيرها. [2]
(1) _ رواه البخاري من حديث الحديبية الطويل (2731) و (2732) ، وأحمد 4/ 326.
(2) _ انظر صحيح البخاري (4789) .