أما مكان جلوسه المعتاد الذي يلتف حوله فيه أصحابه، وتدور فيه أغلب حواراته، وتجري فيه معظم أعماله في شؤون المسلمين فهو في مسجده، وأن ما عداه من الأمكنة التي ورد في الآثار حلوله فيها إنما هي مقاعد كان يحل فيها قبل البعثة، وبعدها قبل الهجرة، وبعدها قبل أن ينتظم أمر المسلمين، أو بعد ذلك فيما بعد الهجرة؛ لعوارض تعرض من زيارة، أو ضيافة، أو عيادة، أو قضاء مصالح، أو نحو ذلك؛ فقد جلس قبل البعثة وهو بمكة في دار ابن جُدعان، وفي المسجد الحرام، وأوى إلى غار حراء يَتَحَنَّث بإلهام من الله _تعالى_ استئناسًا بالوحي، وجلس بعد البعثة في دار الأرقم بن أبي الأرقم، وفي شعب أبي طالب مدة القطيعة، وسكن دار أبي أيوب الأنصاري عند مَقْدَمِهِ المدينةَ، وجلس بمسجد قباء قبل بناء المسجد النبوي، ولم يلبث أن بنى مسجده؛ فكان مجلسه بَعْدُ في ذلك المسجد فيما عدا أحوالًا تعرض مثل خروجه إلى بني عمرو ابن عوف؛ للإصلاح بينهم [1] .
والحديث في هذا الفصل سيدور حول ورود ذلك المجلس في القرآن، وصفة ذلك المجلس، وتحقيق مكانه، وكيفية التئامه، وخروج النبي"إليه."
كما سيدور حول هيئة ذلك المجلس، وما كان يجري فيه، ووقت المجلس الرسولي وآدابه.
ومما يبين أهمية البحث في ذلك أمور كثيرة منها ما يلي:
1_ أنه موضوع نادر لا تجد من أفرده بالبحث والتقصي لا من المتقدمين ولا من المتأخرين إلا العلامة التونسي الشيخ محمد الطاهر بن عاشور× 1296_ 1394 هـ حيث كتب بحثًا عنوانه مجلس رسول الله" [2] ."
2_ أنه موضوع لطيف يخدم ما نحن بصدده من البحث في جوانب الحوار؛ حيث يُجلِّي ذلك غاية التجلي، ويمثِّله أحسن تمثيل.
(1) _ انظر صحيح البخاري (684) ومسلم (121) .
(2) _ وذلك في مجلة الهداية الإسلامية، الجزء العاشر، المجلد العاشر، ص 578_597 في ربيع الثاني 1357 هـ _ 1938 م، وقد أفدت منه كثيرًا في هذا الفصل، وانظر الرحمة والعظمة في السيرة النبوية ص 161_198.