فهرس الكتاب

الصفحة 147 من 184

لقد جاء مجلس رسول الله"على غاية ما يكون من البساطة، والتواضع، والخلو من مظاهر الأُبَّهة؛ لأنه أعظم المصلحين وأفضل المرسلين، فأراد الله _عز وجل_ أن يكون ذلك النبي مقصورًا على التأييد بالدلائل الحقة الباقية على الزمان، وأن يجرده عن وسائل الخِلاَبة والاسترهاب؛ فتكونَ دعوته أكمل الدعوات، وعظته أبلغ العظات كما هو أكمل الدعاة والواعظين."

وذلك _كما يقول ابن عاشور [1] _ لحكم جمة، منها ما يلي:

الحكمة الأولى: أن لا يكون جلالُ قَدْرِه في النفوس، ونفوذُ أمره في الملأ محتاجًا إلى معونة بوسيلة من الوسائل المكملة للتأثير الذاتي النفساني، بل يكون تأثيره الذاتي كافيًا في نفوذ آثاره في قلوب أتباعه؛ إذ كانت نفسُه الشريفةُ أكملَ نفسٍ برزت في عالم الوجود الحادث، فتكون أغنى النفوس عن التوسل بغير صفاتها الذاتية؛ إذ لا نقص في تأثير نفسه.

من أجل ذلك ادَّخَر الله لرسوله التأييد بأوضح الدلائل، وأغناها عن العوارض التي تصطاد النفوس، وتسترهب العيون؛ حتى لا يكونَ شأنه جاريًا على الشؤون المألوفة.

ولعل هذا مما يُلوِّح إليه قوله _تعالى_: [وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ] (الكهف:29) .

أي هذه دعوة الحق المحض الغَنِيَّةُ عن البهرجةِ الزائلة والله أعلم؛ فيكون هذا من المعجزات الخفية التي هي آيات للمتوسمين على كُرور الأيام والسنين.

الحكمة الثانية: أن يكون الرسول غيرَ مشارك لأحوال أصحاب السيادة الباطلة من الجبابرة والطغاة؛ حتى لا يكون من دواعي إيمان بعض الفرق به وطاعتهم له_ما بهرهم من تلك الزخارف، كحال الذين استكبروا من قوم نوح؛ إذ قالوا: [وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِي الرَّأْيِ] (هود:27) .

(1) _ الهداية الإسلامية 10/ 581_582، وانظر شرح الشفا للقاضي عياض للملا علي قاري 2/ 151.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت