إن من مارس الحديث والسيرة لا يَشُكُّ في أن مجلس رسول الله الذي يلتف حوله فيه أصحابه، وتجري فيه معظم أعماله في شؤون المسلمين _ إنما كان بمسجده.
وقد أرشدنا إلى ذلك أحاديث، منها ما جاء في صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري أنه قال: =توضأت يومًا وخرجت من بيتي فقلت: لألزمن رسول الله يومي هذا، ولأكونن معه، فجئت المسجد فسألت عنه، فقالوا: خرج ... إلخ+. [1]
فقوله: =فجئت المسجد، فسألت عنه+ ينبئ بأن مَظِنَّةَ لقاءِ الرسول هي المسجد.
وكذلك ما جاء في الصحيحين من حديث ضمام بن ثعلبة الذي رواه أنس ابن مالك÷ يقول أنس: =بينما نحن جلوس مع النبي"في المسجد+ الحديث وسيأتي [2] ."
فقوله: =في المسجد+ يدل على أن مكان مجلسه _ عليه الصلاة والسلام _ في المسجد.
ثم إن تعيين مكان جلوسه من المسجد لم يَجْرِ له ذكر في كلامهم.
والذي يظهر أنه كان يلزم مكانًا معينًا للجلوس؛ لينتظره عنده أصحابه والقادمون إليه. [3]
والظاهر أن هذا المكان المعين هو ما بين المنبر وحجرة عائشة _رضي الله عنها_ وهو الملقب بالروضة، ويدل لذلك ثلاثة أدلة:
الدليل الأول: ما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله"قال: =ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة+. [4] "
وللعلماء في معنى ذلك تأويلات أظهرها والذي مال إليه جمهورهم أنه كلام جرى على طريقة المجاز المرسل؛ فإن ذلك المكانَ لما كان موضع الإرشاد والعلم كان الجلوس فيه سببًا للتنعم برياض الجنة؛ فأطلق على ذلك المكان أنه روضة من رياض الجنة بإطلاق اسم المسبب على السبب.
(1) _ مسلم (2403) .
(2) _ البخاري (63) ومسلم (12) .
(3) _ انظر الهداية الإسلامية 10/ 584_586.
(4) _ البخاري (1196) ومسلم (1390 و 1391) .