ومن الوسائل التي لها أثر في تَأَلُّف الجاهلين أو المفسدين، وتهيئتهم إلى قبول الإصلاح _ بسط المعروف في وجوههم، والإحسان إليهم بأي نوع من أنواع الإحسان، وإرضاؤهم بشيء من متاع هذه الحياة الدنيا؛ فإن مواجهتهم بالجميل، ومصافحتهم براحة كريمة _ قد يعطِّف قلوبهم نحو المحاور، ويمهد السبيل لقبول ما يَعْرِضُه.
والنفوس مطبوعةٌ على مصافاة من يُلبسها نِعْمةً، ويُفيضُ عليها خيرًا.
ولهذا يحسن بالمحاور أن يكون ليِّن العريكة، وممن يَأْلَفُ ويُؤْلَفُ، وألا يكون جافي الطبع، قاسي القلب، متعاليًا على السامعين.
ويجدر به أن يترفع عن العبارات المشعرة بتعظيم النفس، كحال من يكثر من إدارج ضمير المتكلم (أنا) أو ما يقوم مقامه كأن يقول (في رأيي) أو (حسب خبرتي) أو (هذا ما توصلت إليه) ونحو ذلك.
وأَجْدَر بالبعد عن ذلك ما كان فيه تفخيم للنفس كالإتيان بضمير الجمع، كأن يقول: (هذا رأينا) و (هذا ترجيحنا) أو (هذا ما توصلنا إليه) .
ومن ذلك أن يكرر كلمة: (نَقُول) و (قلنا) ونحو ذلك من العبارات الفجة التي تنم عن نقص وغرور، خصوصًا إذا صدرت ممن ليس له مكانة.
فهذا كله مجلبة لتباعد الأنفس، وتناكر الأرواح، وقلة التأثير.
وبدلًا من ذلك يحسن به أن يستعمل الصيغ التي توحي بالتواضع، وعزو العلم لأصحابه، كأن يقول: (ويبدو للمتأمل كذا وكذا) أو يقول: (ولعل الصواب أن يقال: كذا وكذا) ونحو ذلك من العبارات المشعرة بالتواضع، واهتضام النفس.
ثم إن الرفق في القول، واجتناب الكلمة الجافية من أعظم مقومات الحوار؛ فإن الخطاب اللين قد يتأَلَّف النفوسَ الناشزةَ، ويدنيها من الرشد، ويرغبها في الإصغاء للحجة أو الموعظة.
قال _تعالى_ في خطاب هارون وموسى _عليهما السلام_: [اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) ] طه.