فحينئذٍ أَلْق عصا المنطق والبيان، واحمل راية الشفقة والحنان؛ حينها تَخْطِب الودَّ، وتستولي على الأمد.
فكثيرًا ما تبدأ المناقشة أو المحاورة، وروح العداوة تسيطر على أحد الطرفين.
فإذا ما دفع الآخر بالتي هي أحسن انقلبت العداوة إلى مودة، والبغضة والوحشة إلى محبة وألفة. [1]
فحري بالمحاور أن يكسب صاحبه، وأن يخطب ودَّه في كل مناسبة تسنح له؛ فيثني عليه إذا أجاد، ويسلِّم له إذا أصاب، ويرده إلى الصواب بلطف إذا هو أخطأ، ويذكر مزاياه في حضوره وغيبته، ويبادر بالهدية والزيارة إذا أحَسَّ نفرة منه بعد الحوار.
وهذه الأمور ليس بالسهل تحصيلها، ولا ليس بمقدور كل إنسان نيلُها، بل تحتاج إلى توفيق، وتدريب، وصبر، وشجاعة [وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ] (فصلت: 35) .
والأمثلة من السيرة النبوية على إثارة العواطف، ومخاطبة الوجدان كثيرة، ومنها ما يلي:
أ_ جاء في الصحيحين عن سهل بن سعد÷ أن رسول الله"قال: =لأعطين الراية غدًا رجلًا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله+."
فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها، فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله"كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: =أين علي بن أبي طالب؟ +."
فقيل: يا رسول الله هو يشتكي عينيه، قال: =فأرسلوا إليه+ فأتي به، فبصق رسول الله"في عينيه، ودعا له، فبرئ؛ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، قال علي÷: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: =انْفُذْ على رِسْلِك، حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله _تعالى_ فيه؛ فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم+ [2] ."
(1) _ انظر في أصول الحوار ص 75.
(2) _ البخاري (3701) ومسلم (2406) .