"ما أعرفه يا صديقي هو أن الروح عندما تغادر الجسد تأتي جماعة وتشرع في إعداد الجثة للمرحلة اللاحقة. ثم تأتي جماعة أخرى تهيء الروح التي ظلت حبيسة الجسد زمنا لرحلتها الجديدة."
تدوم الطقوس ثلاثة أيام بلياليها. يستريح الرجال بالتناوب حتى لا يتوقف الإعداد. كل السر في الاستمرار. وأي انقطاع يضطر الفاعلين إلى معاودة الكرة من جديد.
في اليوم الموالي تنتهي الإعدادات ويأتي شخص من مصلحة تنظيم الموتى .. يستريح الرجال. وتبدأ مهمة رجل اليوم الرابع.
الغريب في هذه الحكاية هو أني لم أعد واقفا في المقبرة أمام قبر أمي. رأيتني هناك في أرض لا أعرفها وسط حقل لا أعرفه بين أناس لا أعرفهم. صوت رفيقي هو ماكنت أسمع. كان يصاحب الأحداث التي كنت أشاهد.
كان الجسد عاريا تماما. جاء الرجل ودثر الميت. بكفن أبيض. قلت في نفسي لعلها أول مراسيم الدفن كما أعرفها. الحقيقة أنه لم يدثر الميت بل لفه داخل الرداء الأبيض ثم توقف للحظة كمن يستريح أنفاسه. بدا لي الرجل يفكر. قلت لعله يفكر في المرحلة اللاحقة. لم يكن عريضا ولا طويلا ولاسمينا. الحقيقة أنني لم أستطع تبين حجمه أو شكله. لكني رأيته يحمل الجثة على ظهره ككيس تبن. ورأيته ينصرف." [1] "
نستنتج، من هذا المقطع المسرود، أن الكاتب قد توفق في التعبير فنيا وجماليا عن متخيل الموت، باعتباره تراجيديا إنسانية، ونهاية بشرية محتومة.
(1) - محمد صوف: نفسه، ص:76.