فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 80

إذًا فالاعتدال، وعدم المُغالاة في المهور، والتَّيسير على الخاطب هو الأصل.

ومن ذلك أيضًا قولُه - صلى الله عليه وسلم - فيما روَتْه عائشة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( أعظم النِّساء بركةً أقلُّهنَّ مؤنة ) ) [1] .

فيجب أن يكون الأمر منوطًا بالاستطاعة، ما دام الخاطِبُ مرضِيَّ الدِّين والأخلاق.

ففي عصر النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لم يكن الناس يَشْكون لا من عنوسة الإناث، ولا من عزوبة الشباب؛ لأنَّ الزواج كان سهلًا وميسَّرًا، والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( أقلُّهن مهرًا أكثرهن بركة ) )، ولم يكن الناس يُعسِّرون في هذه الأمور، النبيُّ - عليه الصَّلاة والسَّلام - زوَّج سيدةَ نساء العالمين فاطمة - رضي الله عنها - لعليِّ بن أبي طالب بمهرٍ عبارة عن دِرْع اسمه"الحطميَّة"، فالمرأة ماذا تفعل بالدِّرع؟! ولكنه أشبه بشيءٍ رمزي، فهل تبيعه، أو تتزيَّن به؟!

عن عبدالله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه قال: جاء رجلٌ من بني فزارة إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: إنِّي تزوَّجتُ امرأةً على نعلين، فأجاز النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - نكاحَه [2] ، كانت الأمور ميسَّرة، والإنسان كان يعرض أحيانًا ابنته.

فسيدنا عمر بن الخطاب عرَض على سيِّدنا أبي بكر الصدِّيق حينما أصبحَتْ حفصةُ بغير زوج، فقال له: هل لك في حفصة ابنتي - أيْ: هل تتزوَّجها -؟ فلم يَردَّ عليه، ثم ذهب إلى عثمان بن عفان وسأله: هل لك في حفصة؟ فلم يردَّ عليه، وذهب إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقال له: يا رسول الله، عرَضْتُ حفصة على كلٍّ من أبي بكر وعثمان، فلم يَرُدَّا عليَّ، فقال له النبيُّ - صلى الله عليه وسلم: (( يزوِّجُ الله حفصة خيرًا من عثمان، ويزوج الله عثمان خيرًا من حفصة ) ) [تراجع صياغة الحديث؛"صحيح البخاري" (5/ 83) ] .

وفعلًا تزوَّج عثمانُ ابنة الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - الثانية [3] ، فكان الأمر سهلًا، ولَم يكن الناس يعسِّرون.

(1) ضعَّفه الشيخ الألباني - رحمه الله - وقال: له إسنادٌ خير من هذا عند أحمد وغيره، بلفظ: (( إنَّ مِن يُمْن المرأة تيسيرَ خِطْبتها، وتيسيرَ صداقها، وتيسير رحمها ) )، أخرجه أحمد (6/ 77 و 91) وابن حبَّان (1256) والبيهقيُّ من طرق عن أسامة بن زيد عن صفوان بن سليم، عن عروة عنها مرفوعًا به، قال عروة:"يعني تيسير رحمها للولادة"، قال عروة:"وأنا أقول مِن عندي: من أول شؤمِها أن يكثر صَداقُها"، ومن هذا الوجه، وبهذه الزيادةِ أخرجه الحاكم (2/ 181) وقال:"صحيح على شرط مسلم"، ووافقه الذهبي، وهو عندي حسَن؛ للخلاف المعروف في أسامة بن زيد، وهو الليثي، وأما إن كان العدويَّ - وبه جزم الهيثميُّ (4/ 255) ولم يتبيَّن لي مسنَدُه - فهو ضعيف، والله أعلم.

(2) كتاب"السنن الكبرى"، أبو بكر البيهقي، باب ما يجوز أن يكون مهرًا، (13922) ، ج 7، ص 239.

(3) عثمان بن عفان (23 - 35 هـ/ 643 - 655 م) ثالث الخلفاء الرَّاشدين، وهو أحد العشرة المبشَّرين بالجنة، ومِن السابقين إلى الإسلام، وكُنْيته ذو النورين، وقد لقب بذلك؛ لأنه تزوَّج اثنتَيْن من بنات الرسول: رقيَّة، ثم بعد وفاتِها أم كلثوم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت