قال الليث بن سعد: (لم يذكر ابن شهاب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر أم حبيبة بنت جحش أن تغتسل عند كل صلاة، ولكنه شيء فعلَتْه هي) [1] .
جمهور العلماء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، وأحمد في إحدى الروايتين عنه، على جواز جماع المستحاضة، ونقله ابن المنذر عن ابن عباس، وسعيد بن المسيب، والحسن البصري، وعطاء، وقتادة، وسعيد بن جبير، وحماد بن أبي سليمان، وجمعٍ من الأئمة.
واستدلوا بعموم قوله - تعالى: {حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] ، وهذه طاهرة من الحيض، فجاز جماعها.
كما أن النساء اللاتي كنَّ يُسْتَحَضْنَ على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمُرْهن النبي - صلى الله عليه وسلم - بترك الجماع، مع ما تقتضيه الحاجة لبيان ذلك، والعلماء يقولون: إن ترك الاستفصال وقت البيان ينزلُ منزلة العموم من المقال، فتبيَّن من ذلك جواز الجماع للمستحاضة.
بينما ذهب الحنابلة، وابن سيرين، والشعبي، والنخعي، والحكم، وابن علية من المالكية، إلى عدم جوازه، واستدلوا بما روي عن عائشة أنها قالت: (المستحاضة لا يغشاها زوجها) [2] ، [3] .
فالراجح جواز جماع المستحاضة؛ إذ لا دليل صحيح يمنع من جماعها.
وبناءً على ما سبق أن المراة المستحاضة مثلها مثل المرأة الطاهرة تمامًا، ولا تختلف عنها إلا في كونها يلزمها عند دخول وقت الصلاة أن تغسل أثر الدم وتضع ما يمنع نزوله، ولها أن تتوضأ إن
(1) مسلم 334.
(2) البيهقي في السنن الكبرى 1563، والصحيح أنه من قول الشعبي، وليس من قول عائشة، عن عبدالله بن أحمد بن حنبل، قال: سألت أبي عن وطء المستحاضة، فقال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن غيلان، عن عبدالملك بن ميسرة، عن الشعبي، عن قمير عن عائشة، قالت: (المستحاضة لا يغشاها زوجها) ، قال أبي: ورأيتُ في كتاب الأشجعي كما رواه وكيع، وقد رواه غندر عن شعبة عن عبدالملك بن ميسرة عن الشعبي أنه قال: المستحاضة لا يغشاها زوجها، قال الشيخ: وقد رواه معاذ بن معاذ عن شعبة، ففصل قول الشعبي من قول عائشة، إلى أن قال البيهقي: فعاد الكلام في غشيانها إلى قول الشعبي كما قال أحمد بن حنبل، وتركناه بما مضى من الدلالة على إباحة وطئها إذا تولى حيضها واغتسلت؛ انظر: السنن الكبرى 1/ 478 - 488.
(3) الموسوعة الفقهية 44/ 20.