فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 141

أما مفهومه، فهو أن الماء الذي يقل عن القلتين يتنجَّس بحلول النجاسة فيه، وهذا المفهوم أيضًا لا يفيدهم في القول بالنجاسة، وما قالوه: إنه لولا أن سؤر السِّباع والدوابِّ نجسٌ، لَمَا قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - هذا الحديث.

فنقول: إن هذا احتمال ليس عليه دليل صريح، والقاعدة الأصولية: (أن الاحتمال يُسقط الاستدلال) ، إذًا هذا الحديث غاية ما هنالك أن فيه شبهة دليل فحسب.

أما قياسهم السباع على الكلاب وإعطاؤها حكمها، فنقول:

إن القياس في العبادات لا يجوز، إلا أن يكون هناك علة ظاهرة في النص، ولا علة ظاهرة هنا، وإن كان لا بد لهم من القياس، فإنه يتوجَّب أن يستوي في طرفيه التماثل، وإلا فلا قياس، فالكلاب نجاسة آسارها تجبُ إزالتها بغسل ما أصيب منها سبع مرَّات مع التراب، فهل يُفعل ذلك بآسار السباع والدواب؟!

أما قولهم: إنها تأكل النجاسات ولا مُطهر لها، فتكون نجسة:

فنرد عليهم بأن الضِّباع تأكل النجاسات؛ لأنها حيوانات مفترسة طعامُها الجيف النجسة، وهي لا مطهِّر لها، فلماذا أحلَّ الله لنا أكله؟

فعن ابن أبي عمار قال: قلتُ لجابرٍ: الضَّبُع أصيدٌ هي؟ قال: نعم، قال: قلتُ: آكُلُها؟ قال: نعم، قال: قلتُ: أقاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم [1] .

وعليه؛ فالراجح القول بعدم نجاسة سؤر السباع والدواب؛ وذلك للبراءة الأصلية، وعدم وجود دليل قوي معتَبر ينهض للقول بالنجاسة، والله أعلم.

وقد ردَّ الخطابي الاستدلال بحديث القُلَّتين على نجاسة سؤر السباع والدواب؛ حيث قال: (وقد يحتمل أن يكون ذلك من أجل أن السباع إذا وردت المياه خاضتها وبالت فيها، وتلك عادتها وطباعها، وقلما تخلو أعضاؤها من لوث أبوالها ورجيعها، وقد ينتابها في جملة السباع الكلابُ، وآسارُها نجسةٌ ببيان السنة) [2] .

(1) صحيح: الترمذي 851، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجه 3236، وصححه الألباني في الإرواء 1050.

(2) معالم السنن للخطابي 1/ 25.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت