-أما خروج الريح من القُبُل ففيه خلاف بين أهل العلم على قولين:
الأول: أنه ينقُض الوضوء، وبه قال الشافعي، وإسحاق، وابن المبارك، وبعض الحنابلة [1] .
واستدلُّوا بعموم ما ورد في الحديث عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( الوضوء مما خرج وليس مما دخل ) ) [2] .
وقالوا: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وأجيب: بأن الحديث ضعيف لا يجوز الاحتجاج به والاستدلال.
وقالوا: إن القاعدة: (إن الحدث ما خرج من أحد السبيلين) .
وأجيب: بأن القاعدة ليس على إطلاقها، فليس كل خارج ناقضًا للوضوء، مثل رطوبة فرج المرأة على الراجح.
الثاني: لا ينقض الوضوء:
وبه قال أبو حنيفة، وابن حزم، وابن عَقِيل، وقالوا: لأن الفُساء والضراط اسمانِ لا يقعان على الريح إلا إن خرجت من الدبر [3] .
قلت: وهو الراجح؛ لعدم وجود دليل صحيح يدل على نقض الوضوء بخروج الريح من القُبل.
فائدة: احذر من الشيطان (فإنه عدوك) :
في حديث الباب الذي مرَّ معنا بطُرُقِه المختلفة - كما بينت في المسألة الأولى - أن الشيطان لا يتوانى عن إضلال الإنسان وإبعاده عن الطريق المستقيم، وعن تلبيس أمر العبادة عليه؛ فعن ابن مسعود قال: (إن الشيطان ليُطِيف بالرجل في صلاته ليقطع عليه صلاته، فإذا أعياه نفخ في دُبُره، فإذا أحس أحدكم من ذلك شيئًا، فلا ينصرفنَّ حتى يجد ريحًا أو يسمع صوتًا) [4] .
(1) بداية المجتهد 1/ 40، والأم 1/ 17.
(2) ضعيف: البيهقي في السنن الكبرى 580، وضعفه بشعبة مولى ابن عباس، قال الذهبي في المهذب: وشعبة ضعفوه، والفضل واهٍ، وصوابه موقوف؛ اهـ، وقال ابن الجوزي: حديث لا يصح، وقال ابن عدي: لعل البلاء فيه من الفضل بن المختار، وقال ابن حجر: فيه الفضل بن المختار، وهو ضعيف جدًّا، وشعبة مولى ابن عباس، وهو ضعيف، ورواه الطبراني من حديث أبي أمامة، وسنده أضعف من الأول؛ اهـ، وقال الغرياني في حاشية مختصر الدارقطني: فيه الفضل بن المختار، مجهول، يحدِّث عن ابن أبي ذؤيب بالأباطيل؛ فيض القدير 6/ 375.
وكذا رواه البيهقي عن علي بن أبي طالب 761، وقال: وروينا عن علي بن أبي طالب وابن عباس: (( الوضوء مما خرج وليس مما دخل ) )، وإنما قالا ذلك في ترك الوضوء مما مسَّت النار.
(3) المبسوط 1/ 83، والمحلى 1/ 232، والمغني 1/ 230.
(4) عبدالرزاق في مصنفه 536، والطبراني في المعجم الكبير 9130، وقال الهيثمي 1/:42: رجاله موثَّقون.