وقال صلى الله عليه وسلم في بيان النفاق الأصغر: (( أربع مَن كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خَصلة منهن، كانت فيه خَصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدَّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر ) ) [1] .
أي: إننا لا نحكم على صاحب معصية بكفر، مهما أسرف على نفسه، ولا نقول: إنه مخلد في جهنم، بل أمره إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء أدخله النار وعاقبه؛ وذلك لما ثبت في الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه: أن رسول صلى الله عليه وسلم قال وحوله عصابة من أصحابه: (( بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا ثم ستره الله، فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه ) )، فبايعناه على ذلك [2] .
قال الشيخ حافظ حكمي رحمه الله [3] : (إذا عرفت هذا، فاعلم أن الذي أثبتته الآيات القرآنية والسنة النبوية ودرج عليه السلف الصالح والصدر الأول من الصحابة والتابعين لهم بإحسان من أئمة التفسير والحديث: أن العصاة من أهل التوحيد على ثلاث طبقات.
الطبقة الأولى: قوم رجحت حسناتهم بسيئاتهم، فأولئك يدخلون الجنة من أول وهلة، ولا تمسهم النار أبدًا.
الطبقة الثانية: قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم وتكافأت، فقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة، وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار، وهؤلاء هم أصحاب الأعراف، الذين ذكر الله تعالى أنهم يوقفون بين الجنة والنار ما شاء الله أن يوقفوا، ثم يؤذن لهم في دخول الجنة.
الطبقة الثالثة: قوم لقُوا الله تعالى مصرين على كبائر الإثم والفواحش، ومعهم أصل التوحيد: فرجحت سيئاتهم بحسناتهم، فهؤلاء هم الذين يدخلون النار بقدر ذنوبهم، إلا أن يعفو الله عنهم،
(1) البخاري (34) ، ومسلم (58) .
(2) البخاري (18) (3892) ، ومسلم (1709) ، والترمذي (1439) .
(3) معارج القبول (2/ 346) .