وهذه أقوال ساقطة لا تعتمد على دليل، بل هي مخالفة للكتاب والسنة؛ فالأنبياء أفضل البشر، اصطفاهم الله من بين الخلق واختارهم لنبوته صلى الله عليهم وسلم؛ قال تعالى: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى} [النمل: 59] .
غالى كثير من الناس في الرسل حتى أعطوهم فوق صفاتهم التي خلقوا عليها، ومنهم من يعتقد فيهم أو في بعضهم الألوهية، وهذا قول باطل يعارض الأدلة التي تثبت أنهم بشر اصطفاهم الله وفضلهم؛ ولذلك أذكر هنا صفاتهم الخَلقية.
أولًا: البشرية:
قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} [الكهف: 110] ؛ ولذلك لما أنكر المشركون على المرسلين دعوتهم بأنهم بشر يريدون بهم الإضلال، أجابتهم الرسل بالإقرار أنهم بشر، لكنهم فُضِّلوا بالوحي؛ قال تعالى: {قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ، قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} [إبراهيم: 10، 11] .
وقد استكبر كثير من المشركين على رسلهم، وكفروا بهم، وكان حجتهم في ذلك أنهم - يعني الرسل - بشرٌ، واقترحوا أن يرسل الله ملائكة، وقد جاء ذكر ذلك مصرحًا به في غير موضع من القرآن؛ فمن ذلك: {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا} [الفرقان: 7] ، وقال تعالى: {فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ} [القمر: 24] ، وقال تعالى: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا} [الإسراء: 94] .
* ولكن عندما نتأمل الأمر نجد أن الحكمة من إرسال الرسل بشرًا وأنهم لم يكونوا ملائكة تتلخص فيما يلي:
(1) أن الناس لا يقدرون على رؤية الملك في صورته الحقيقة؛ فهذا رسولنا صلى الله عليه وسلم - على ما أعطاه الله من القوة الجسمية والنفسية وهيأه لهذه المهمة - كان يعالج من التنزيل شدة، ولما جاءه الوحي بغار حراء أول مرة، عاد إلى بيته يرجف وهو يقول: (( زمِّلوني